أصلها في الاجرام فاستعيرت هنا للشدة والتجلد والصبر ، وقال الحسن : صبرا على جهادهم والجهاد واجب لكل الكفار وإن كان الابتداء بمن يلي المجاهدين منهم أهم وأقدم ثم الأقرب فالأقرب .
ونقل عن بعض العلماء أنه قال أنزلت هذه الآية قبل الأمر بقتال المشركين كافة فلما نزلت
وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً
[ التوبة : 36 ] صارت ناسخة لهذه الآية .
وقال المحققون من العلماء : ولا وجه للنسخ فإنه تعالى أمرهم بقتالهم كافة وأرشدهم الطريق الأصوب الأصلح وهو أن يبدؤوا الأقرب فالأقرب قربا مكانيا لا قربا نسبيا حتى يصلوا إلى الأبعد فالأبعد ، وبهذا الطريق يحصل الغرض من قتال المشركين كافة لأن قتالهم في دفعة واحدة لا يتصور ، ولهذا السبب قد قاتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أولا قومه ، ثم انتقل منهم إلى قتال سائر العرب ثم إلى قتال أهل الكتاب ، وهم قريظة والنضير وخيبر وفدك ، ثم انتقل إلى غزو الروم والشام فكان فتحه في زمن الصحابة ثم أنهم انتقلوا إلى العراق ثم بعد ذلك إلى سائر الأمصار لأنه إذا قاتل الأقرب أولا تقوى بما ينال منهم من الغنائم على الأبعد .
ثم أخبرهم اللّه بما يقوي عزائمهم ويثبت أقدامهم فقال :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
بالنصرة لهم وتأييدهم على عدوهم ومن كان اللّه معه لم يقم له شيء .
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 124 إلى 125 ]
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 124 ) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ ( 125 )
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ
حكاية منه سبحانه لبقية فضائح المنافقين أي والحال إذا ما أنزل اللّه على رسوله صلى اللّه عليه وسلم سورة من كتابه العزيز
فَمِنْهُمْ
أي فمن المنافقين
مَنْ يَقُولُ
لإخوانه منهم
أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ
السورة النازلة
إِيماناً
يقولون هذا استهزاء بالمؤمنين ، ويجوز أن يقولوه لجماعة من المسلمين قاصدين بذلك صرفهم على الإسلام وتزهيدهم فيه ، وقد تقم بيان معنى السورة
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً
حكى اللّه سبحانه بعد مقالتهم هذه أن المؤمنين زادتهم إيمانا إلى إيمانهم لتصديقهم بها ، الزيادة ضم شيء إلى آخر من جنسه مما هو في صفته ، وقد تقدم الكلام على زيادة الإيمان
وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
أي والحال أنهم يفرحون مع هذه الزيادة بنزول الوحي شيئا بعد شيء وما يشتمل عليه من المنافع الدينية والدنيوية .
وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
وهم المنافقون ، والمراد بالمرض هنا الشرك والنفاق
فَزادَتْهُمْ
السورة المنزلة
رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ
أي خبثا مضموما إلى خبثهم