تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
المنافقين ومخازيهم قال بعض من يحضر مجلس النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم للبعض الآخر منهم هل يراكم من أحد .
ثُمَّ انْصَرَفُوا
إلى منازلهم عن ذلك المجلس أو عما يقتضي الهداية والإيمان إلى ما يقتضي الكفر والنفاق ، والتراخي باعتبار وجدان الفرصة والوقوف على عدم رؤية أحد من المؤمنين . ثم دعا اللّه سبحانه عليهم فقال :
صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
عن الخير وما فيه الرشد لهم والهداية وهو سبحانه مصرف القلوب ومقلبها ، وقيل المعنى إنه خذلهم عن قبول الهداية ، قال الزجاج : أضلهم اللّه مجازاة على فعلهم ، وقيل هو دعاء لا يراد به وقوع مضمونه كقولهم قاتله اللّه ، وقيل إخبار بحالهم . ثم ذكر سبحانه السبب الذي لأجله انصرفوا عن مواطن الهداية أو السبب الذي لأجله استحقوا الدعاء عليهم بقوله صرف اللّه قلوبهم فقال :
بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
ما يسمعونه لعدم تدبرهم وانصافهم . عن ابن عباس : لا تقولوا انصرفنا من الصلاة فإن قوما انصرفوا فصرف اللّه قلوبهم ولكن قولوا قضينا الصلاة ، وعن ابن عمر نحوه . وأقول : الانصراف يكون عن الخير كما يكون عن الشر وليس في إطلاقه هنا على رجوع المنافقين عن مجلس الخير ما يدل على أنه لا يطلق إلا على نحو ذلك ، والالزم أن كل لفظ يستعمل في لغة العرب في الأمور المتعددة إذا استعمل في القرآن في حكاية ما وقع من الكفار لا يجوز استعماله في حكاية ما وقع عن أهل الخير كالرجوع والذهاب والدخول والخروج والقيام والقعود ، واللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله ووجه الملازمة ظاهر لا يخفى .

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 128 ]

لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 128 ) ثم ختم اللّه سبحانه هذه السورة بما يهون عنده بعض ما اشتملت عليه من التكاليف الشاقة فقال موبخا
لَقَدْ جاءَكُمْ
يا معشر العرب ، والخطاب لهم عند جمهور المفسرين ، وقال الزجاج : هي خطاب لجميع العالم أي لقد جاءكم
رَسُولٌ
أرسله اللّه إليكم له شأن عظيم
مِنْ أَنْفُسِكُمْ
أي من جنسكم في كونه عربيا قرشيا مثلكم تعرفون نسبه وحسبه ، وأنه من ولد إسماعيل لا من العجم ولا من الجن ولا من الملك ، وقرىء أنفس أفعل تفضيل من النفاسة والمراد الشرف أي أشرفكم وأفضلكم وسيأتي تخريجه .
عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ
ما مصدرية والعنت التعب لهم والمشقة عليهم ولقاء
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 199 | صديق الحسيني القنوجي البخاري