تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
الاطمئنان ، يعني أخروا عن قبول التوبة إلى هذه الغاية وهي وقت أن ضاقت عليهم الأرض برحبها لإعراض الناس عنهم وعدم مكالمتهم من كل أحد لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم نهى الناس أن يكالموهم ، والرحب الواسع يقال منزل رحب ورحيب وراحب والمضموم مصدر والمفتوح مكان ، وفي هذه الآية دليل على جواز هجران أهل المعاصي تأديبا لهم لينزجروا عن المعاصي .
وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ
أي أنها ضاقت صدورهم بما نالهم من الوحشة وبما حصل لهم من الجفوة وشدة الغم والحزن ومجانبة الناس إياهم وترك كلامهم فلا يسعها سرور ولا أنس ، وعبر بالظن في قوله :
وَظَنُّوا
عن العلم أي علموا وأيقنوا
أَنْ لا مَلْجَأَ
يلجؤون إليه قط
مِنَ اللَّهِ
أي من عذابه أو من سخطه
إِلَّا إِلَيْهِ
سبحانه بالتوبة والاستغفار .
ثُمَّ تابَ
أي رجع
عَلَيْهِمُ
بالقبول والرحمة وأنزل في القرآن التوبة عليهم ليستقيموا أو وفقهم للتوبة فيما يستقبل من الزمان إن فرطت منهم خطيئة
لِيَتُوبُوا
عنها ويرجعوا فيها إلى اللّه ويندموا على ما وقع منهم ويحصلوا التوبة وينشؤوها فحصل التغاير وصح التعليل
إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ
أي الكثير القبول لتوبة التائبين
الرَّحِيمُ
أي الكثير الرحمة لمن طلبها من عباده . قال أبو بكر الوراق : التوبة النصوح أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة هؤلاء الثلاثة ، وفيه دليل على أن قبول التوبة بمحض الرحمة والكرم والرأفة والإحسان من اللّه تعالى ، وأنه لا يجب عليه شيء .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
في مخالفة أمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم
وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
هذا الأمر بالكون مع الصادقين بعد قصة الثلاثة يفيد الإشارة إلى أن هؤلاء الثلاثة حصل لهم بالصدق ما حصل من توبة اللّه ، وظاهر الآية الأمر للعباد على العموم ، قال نافع : قيل للثلاثة كونوا مع محمد وأصحابه . وقال سعيد بن جبير : كونوا مع أبي بكر وعمر وزاد الضحاك وأصحابهما وعن ابن عباس مع علي بن أبي طالب ، وعن جعفر قال : مع الثلاثة الذين خلفوا . قال ابن جرير : مع المهاجرين وقيل مع الذين خرجوا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى تبوك ، وقيل مع الذين صدقوا في الاعتراف بالذنب ولم يعتذروا بالأعذار الباطلة ، وهذه الآية تدل على فضيلة الصدق . روي أن أبا بكر احتج بهذه الآية على الأنصار في يوم السقيفة حين قال الأنصار منا أمير ومنكم أمير ، فقال : إن اللّه يقول في كتابه
لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ
[ الحشر : 8 ] إلى قوله :
أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ
[ الحجرات : 15 ] فمن هؤلاء قال : الأنصار أنتم