تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده ، فقال أبو بكر الصديق : يا رسول اللّه إن اللّه قد عودك في الدعاء خيرا فادع لنا فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء ؛ فأهطلت ثم سكبت فملؤوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر .
مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ
في كاد ضمير الشأن بيان لتناهي الشدة وبلوغها النهاية ، ومعنى يزيغ يتلف بالجهد والمشقة والشدة ، وقيل معناه يميل عن الحق ويترك المناصرة والممانعة ، وقيل معناه يهم بالتخلف عن الغزو لما هم فيه من الشدة العظيمة ، وفي قراءة ابن مسعود من بعد ما زاغت وهم المتخلفون على هذه القراءة .
وفي تكرير التوبة عليهم بقوله :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ
تأكيد ظاهر واعتناء بشأنها ، هذا إن كان الضمير راجعا إلى تقدم ذكر التوبة عنهم وإن كان الضمير إلى الفريق الثاني فلا تكرار ، وذكر التوبة أولا قبل ذكر الذنب تفضلا منه وتطييبا لقلوبهم ، ثم ذكر الذنب بعد ذلك وأردفه بذكر التوبة مرة أخرى تعظيما لشأنهم ، وليعلموا أنه تعالى قد قبل توبتهم وعفا عنهم .
ثم أتبعه بقوله :
إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
تأكيدا لذلك أي رفيق بعباده لأنه لم يحملهم ما لا يطيقون من العبادات ، وبين الرؤوف والرحيم فرق لطيف وإن تقاربا في المعنى ، قال الخطابي : قد تكون الرحمة مع الكراهة ولا تكاد الرأفة تكون معها ، وقيل الرأفة عبارة عن السعي في إزالة الضرر ، والرحمة عبارة عن السعي في إيصال النفع .
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 118 إلى 119 ]
وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 118 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ( 119 )
وَ
تاب
عَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا
أي أخروا ولم تقبل توبتهم في الحال كما قبلت توبة أولئك المتخلفين المتقدم ذكرهم ، قال ابن جرير معنى خلفوا تركوا يقال خلفت فلانا فارقته ، وقرىء خلفوا بالتخفيف أي أقاموا بعد نهوض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين إلى الغزو ، وقرىء خالفوا ، وقيل معنى خلفوا فسدوا مأخوذ من خلوف الفم ، وهؤلاء الثلاثة هم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع أو ابن ربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي ، وكلهم من الأنصار لم يقبل النبي صلى اللّه عليه وسلم توبتهم حتى نزل القرآن بأن اللّه قد تاب عليهم .
حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ
كناية عن شدة التحير وعدم