تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
وعلى قيل إنها بمعنى مع والأبلغ ابقاؤها على ظاهرها ، وجعل التقوى أساسا له وتأسيس البناء تثبيته ورفعه ، ومعنى تأسسه على التقوى تأسيسه على الخصال التي لا تبقى بها العقوبة . واختلف العلماء في هذا المسجد فقالت طائفة وهو مسجد قباء كما روي عن ابن عباس والضحاك والحسن والشعبي وغيرهم ورجحه البيضاوي لظاهر قوله تعالى :
مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ
إذ لا يراد أول الأيام مطلقا بل أول أيام الهجرة ودخول المدينة المنورة لأنه بني قبل مسجد المدينة ولقوله :
فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا
[ التوبة : 108 ] ولأنه أوفق بالمقام لأنه بقباء كمسجد الضرار . وذهب آخرون إلى أنه مسجد النبي صلى اللّه عليه وسلم لما أخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن خزيمة وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال : اختلف رجلان ، رجل من بني خدرة ، وفي لفظ تماريت أنا ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى ، فقال الخدري هو مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال العمري : هو مسجد قباء ، فأتيا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسألاه عن ذلك فقال : هو هذا المسجد ، لمسجد رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) وقال : في ذلك خير كثير يعني : مسجد قباء « 1 » . وأخرج أحمد وغيره عن أبي بن كعب قال : سألت النبي صلى اللّه عليه وسلم عن المسجد الذي أسس على التقوى ، قال هو مسجدي هذا « 2 » ، وعن زيد بن ثابت مرفوعا مثله عند الطبراني وغيره وفي الباب أحاديث كثيرة . وقد جمع الشريف السمهودي بين الأحاديث وقال : كل منهما مراد لأن كلّا منهما أسس على التقوى من أول يوم تأسيسه . والسر في إجابته صلى اللّه عليه وآله وسلم السؤال عن ذلك مما في الحديث دفع ما يوهمه السائل من اختصاص ذلك بمسجد قباء والتنويه بمزية هذا على ذاك وهو غريب هناك وقد سبقه إليه السهيلي في الروض الأنف . ولا يخفاك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد عين هذا المسجد الذي أسس على التقوى وجزم بأنه مسجده صلى اللّه عليه وسلم كما تقدم من الأحاديث الصحيحة فلا يقاوم ذلك قول فرد من الصحابة ولا جماعة منهم ولا من غيرهم ، ولا يصلح لإيراده في مقابلة ما قد صح عن النبي ( صلى اللّه عليه وسلم ) .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الحج حديث 514 ، والترمذي في تفسير سورة 9 ، باب 14 ، وأحمد في المسند 3 / 8 ، 5 / 116 ، 331 ، 335 . ( 2 ) راجع الحاشية السابقة .