تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
الرابع : قوله :
وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
قال الزجاج : الارصاد الانتظار . وقال ابن قتيبة : الارصاد الانتظار مع العداوة ، وقال الأكثرون : هو الاعداد ، والمعنى متقارب ، يقال أرصدت لكذا إذا أعددته مرتقبا له ، . وبه قال أبو زيد ، يقال رصدته وأرصدته في الخير وأرصدت له في الشر ، وقال ابن الأعرابي : لا يقال أرصدت ومعناه ارتقبت ، والمراد بمن حارب اللّه ورسوله المنافقون وهم اثنا عشر رجلا منهم أبو عامر الراهب ، أي أعدوه لهؤلاء وارتقبوا به وصولهم وانتظروهم ليصلوا فيه حتى يباهوا بهم المؤمنون .
مِنْ قَبْلُ
أي من قبل أن ينافق هؤلاء ويبنوا مسجد الضرار أو المعنى لمن وقع منه الحرب للّه ورسوله من قبل بناء مسجد الضرار
وَلَيَحْلِفُنَّ
جواب قسم مقدر أي واللّه
إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى
أي ما أردنا ببنائه إلا الخصلة أو الإرادة الحسنى ، وهي الرفق بالمسلمين والتوسعة على أهل الضعف والعجز عن الصلاة في مسجد قباء أو مسجد الرسول صلى اللّه عليه وسلم في المطر والحر ، فرد اللّه عليهم بقوله :
وَاللَّهُ يَشْهَدُ
أي يعلم
إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
فيما حلفوا عليه وقالوه . عن ابن عباس قال : هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجدا فقال لهم أبو عامر الراهب والد حنظلة غسيل الملائكة ابنوا مسجدكم واستمدوا ما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم فأخرج محمدا وأصحابه ، فلما فرغوا من مسجدهم أتو النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقالوا قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعوا بالبركة ، فأنزل اللّه
لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً
. وعنه قال : لما بنى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مسجد قباء خرج رجال من الأنصار فبنوا مسجد النفاق ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا بخدج ما أردت إلا ما أرى ، قال : ما أردت إلا الحسنى وهو كاذب » ، فصدقه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأراد أن يعذره ، فأنزل اللّه
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً
الآية . ثم نهى اللّه سبحانه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الصلاة في مسجد الضرار فقال :
لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً
أي في وقت من الأوقات ، فأرسل رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) جماعة هدموه وأحرقوه وجعلوا مكانه كناسة تلقى فيه الجيف ، والنهي عن القيام فيه يستلزم النهي عن الصلاة فيه ، وقد يعبر عن الصلاة بالقيام ، يقال فلان يقوم الليل أي يصلي ، ومنه الحديث الصحيح « من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه » « 1 » . ثم ذكر اللّه سبحانه علة النهي عن القيام بقوله :
لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى
اللام في لمسجد لام القسم ، وقيل لام الابتداء وفي ذلك تأكيد لمضمون الجملة ،
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في المسافرين حديث 173 ، والبخاري في الإيمان باب 25 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 176 | صديق الحسيني القنوجي البخاري