وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
أي أن هذا شأنه سبحانه ؛ وفي صيغة المبالغة في التواب مع توسيط ضمير الفصل والتأكيد من التبشير لعباده والترغيب لهم ما لا يخفى .
وَقُلِ
لهم أو للناس وهما قولان للمفسرين
اعْمَلُوا
ما شئتم من الأعمال الصالحة والسيئة
فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ
خيرا كان أو شرا تعليل لما قبله
وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ
فيه تخويف وتهديد للمذنبين أي أن عملكم لا يخفى على اللّه ولا على رسوله ولا على المؤمنين ، فسارعوا إلى أعمال الخير أو أخلصوا أعمالكم للّه عز وجل ، وفيه أيضا ترغيب وتنشيط للمطيعين ، فإن من علم أن عمله لا يخفى سواء كان خيرا أو شرا رغب إلى أعمال الخير وتجنب أعمال الشر ، وما أحسن قول زهير :
ومهما يكن عند امرئ من خليقة * وأن خالها تخفى على الناس تعلم « 1 »
فظاهره ترغيب وترهيب ، والمراد بالرؤية هنا العلم بما يصدر من الأعمال والاستقبال بالنظر للمجازاة وإلا فالعلم حاصل بالفعل أي فسيجازيكم على عملكم والمجازاة من اللّه معلومة ومن رسوله والمؤمنين بمعنى الثناء عليهم والدعاء لهم .
قال مجاهد : هذا وعيد من اللّه عز وجل ، وقال أبو السعود : زيادة ترغيب لهم في العمل الصالح ، وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان والحاكم والبيهقي وغيرهم عن أبي سعيد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لأخرج اللّه عمله للناس كائنا ما كان » « 2 » .
ثم جاء سبحانه بوعيد شديد فقال :
وَسَتُرَدُّونَ
أي بالبعث بعد الموت
إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
أي إليه سبحانه الذي يعلم ما تسرونه وما تعلنونه وما تخفونه وما تبدونه . وفي تقديم الغيب على الشهادة اشعار بسعة علمه عز وجل وأنه لا يخفى عليه شيء ، ويستوي عنده كل معلوم .
ثم ذكر ما سيكون عقب ردهم إليه فقال :
فَيُنَبِّئُكُمْ
أي يخبركم
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
في الدنيا فيجازي المحسن بإحسانه والمسئ بإساءته ويتفضل على من يشاء من عباده .
[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 106 ]
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 106 )
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ
ذكر سبحانه ثلاثة أقسام في المتخلفين . الأول :
هامش
( 1 ) البيت من الطويل ، وهو لزهير بن أبي سلمى في ديوانه ص 32 ، والجنى الداني ص 612 ، والدرر 4 / 184 ، 5 / 82 ، وشرح شواهد المغني ص 386 ، 738 ، 743 ، وشرح قطر الندى ص 37 ، ومغني اللبيب ص 330 ، وبلا نسبة في شرح الأشموني 3 / 579 ، ومغني اللبيب ص 323 ، وهمع الهوامع 2 / 35 ، 58 .
( 2 ) أخرجه أحمد في المسند 3 / 28 ، والحاكم في المستدرك ، كتاب الرقاق 4 / 314 .