وكان ممر النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا رجع عليهم ، فلما رآهم قال : من هؤلاء الموثقون أنفسهم ، قالوا : هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول اللّه فعاهدوا اللّه أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تطلقهم وتعذرهم قال : وأنا أقسم باللّه لا أطلقهم ولا اعذرهم حتى يكون اللّه هو الذي يطلقهم ، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين ، فلما بلغهم ذلك قالوا ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون اللّه هو الذي يطلقنا فنزلت
عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
.
وقيل الآية تعم جميع المسلمين ، والحمل على العموم أولى وأن كان السبب مخصوصا بمن تخلف عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزوة تبوك ، وروى الطبراني عن أبي عثمان قال : ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من هذه الآية .
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً
اختلف أهل العلم في هذه الصدقة المأمور بها فقيل هي صدقة الفرض ، وقيل هي مخصوصة بهذه الطائفة المعترفة بذنوبها لأنهم بعد التوبة عليهم عرضوا أموالهم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم فنزلت هذه الآية كما تقدم ، و
مِنْ
للتبعيض على التفسيرين والآية مطلقة مبينة بالنسبة المطهرة والصدقة مأخوذة من الصدق إذ هي دليل على صدق مخرجها في إيمانه .
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها
الضمير المرفوع في الفعلين للنبي صلى اللّه عليه وسلم أي تطهرهم وتزكيهم يا محمد بما تأخذه من الصدقة منهم ، وقيل الضمير في تطهرهم للصدقة والضمير في تزكيهم للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم والأول أولى لما في الثاني من الاختلاف في الضميرين في الفعلين المتعاطفين ، ومعنى التطهير إذهاب ما يتعلق بهم من أثر الذنوب ، ومعنى التزكية المبالغة في التطهير .
قال الزجاج : الأجود أن يكون المخاطبة للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أي فإنك يا محمد تطهرهم وتزكيهم بها على القطع والاستئناف ويجوز الجزم على جواب الأمر والمعنى أن تأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم ، قال السيوطي : فأخذ ثلث أموالهم وتصدق بها على سبيل الكفارة لذنوبهم فان كل من أتى ذنبا يسن له التصدق .
وَصَلِّ عَلَيْهِمْ
أي ادع لهم بعد أخذك لتلك الصدقة من أموالهم ، قال النحاس : وحكى أهل اللغة جميعا فيما علمناه أن الصلاة في كلام العرب الدعاء ؛ ثم علل سبحانه أمره لرسوله صلى اللّه عليه وسلم بالصلاة على من يأخذ منه الصدقة فقال :
إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ
السكن ما تسكن إليه النفس وتطمئن به وهو فعل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى المقبوض والمعنى يسكنون إليها ، قال ابن عباس : استغفر لهم من ذنوبهم التي كانوا أصابوها إن صلاتك رحمة لهم .
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد اللّه بن أبي أوفى قال كان رسول اللّه