ماهرا فيه لاتخاذه صنعة وديدنا له ، ولذا خفي نفاقهم عليه صلى اللّه عليه وسلم مع كمال فطنته وفراسته .
وقال الراغب : إنه من قولهم شجرة مرداء أي لا ورق عليها أي أنهم خلوا من الخير . وروى أهل الجنة جرد مرد وهو محمول على ظاهره ، أو المراد أنهم خالصون من الشوائب والقبائح .
وجملة
لا تَعْلَمُهُمْ
مبنية للجملة الأولى وهي مردوا على النفاق أي ثبتوا عليه ثبوتا شديدا ومهروا فيه حتى خفي أمرهم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فكيف سائر المؤمنين ، والمراد عدم علمه صلى اللّه عليه وسلم بأعينهم لا من حيث الجملة ، فإن للنفاق دلائل لا تخفى عليه صلى اللّه عليه وسلم .
ولا ينافي هذا قوله تعالى :
وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ
[ محمد : 30 ] لأن آية النفي نزلت قبل آية الإثبات ، وهذه الجملة صفة المنافقون أو مستأنفة ، والعلم هنا أما على بابه فيتعدى لاثنين أي لا تعلمهم منافقين أو عرفاني فيتعدى لواحد . قاله أبو البقاء .
وأما قوله :
نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ
فلا يجوز أن يكون إلا على بابه وهي مقررة لما قبلها لما فيها من الدلالة على مهارتهم في النفاق ورسوخهم فيه على وجه يخفى على البشر ، ولا يظهر لغير اللّه سبحانه لعلمه بما يخفى وما تجنه الضمائر وتنطوي عليه السرائر . ثم توعدهم سبحانه فقال :
سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ
قيل المراد بهما عذاب الدنيا بالقتل والسبي وعذاب الآخرة ، وقيل الفضيحة بانكشاف نفاقهم والعذاب في الآخرة ، وقيل المصائب في أموالهم وأولادهم وعذاب القبر . قال مجاهد مرتين يعني بالجوع والقتل .
وعن أبي مالك قال : بالجوع وعذاب القبر . وعن قتادة قال : عذاب في القبر وعذاب في النار ، وقد روي عن جماعة من السلف نحو هذا في تعيين العذابين وقيل غير ذلك مما يطول ذكره مع عدم الدليل على أنه المراد بعينه ، والظاهر أن هذا العذاب المكرر هو في الدنيا بما يصدق عليه اسم العذاب وإنهم يعذبون مرة بعد مرة ثم يردون بعد ذلك إلى عذاب الآخرة ، وهو المراد بقوله :
ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ
.
ومن قال إن العذاب في المرة الثانية هو عذاب الآخرة قال معنى قوله :
ثُمَّ يُرَدُّونَ
أنهم يردون بعد عذابهم في النار كسائر الكفار إلى الدرك الأسفل منها أو أنهم يعذبون في النار عذابا خاصا بهم دون سائر الكفار ثم يردون بعد ذلك إلى العذاب الشامل لهم ولسائر الكفار .
وفي مسند أحمد عن ابن مسعود : خطبنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : إن منكم منافقين فمن سميته فليقم ، ثم قال : قم يا فلان حتى سمى ستة وثلاثين « 1 » .
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 102 إلى 103 ]
وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 102 ) خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 103 )
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 5 / 272 .