تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
ثم ذكر سبحانه نوعا آخر من قبائح المنافقين فقال :
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ
هم المتروكون وهم الذين استأذنوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من المنافقين فأذن لهم وخلفهم بالمدينة في غزوة تبوك أو الذين خلفهم اللّه وثبطهم أو الشيطان أو نفاقهم أو كسلهم أو المؤمنون
بِمَقْعَدِهِمْ
أي بقعودهم ، يقال قعد قعودا ومقعدا أي جلس وأقعد غيره ، ذكر معناه الجوهري
خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ
فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه منصوب على المصدر أي تخلفوا خلاف رسول اللّه . والثاني : أنه مفعول من أجله أي فرحوا لأجل مخالفتهم رسول اللّه أو بقعودهم لمخالفتهم له ، وإليه ذهب الطبري والزجاج ، ويؤيده قراءة خلف بضم الخاء وسكون اللام . والثالث : أن ينتصب على الظرف أي بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقال أقام زيد خلاف القوم أي تخلف بعد ذهابهم ، وخلاف أن يكون ظرفا ، وإليه ذهب أبو عبيدة وعيسى بن عمر . قال الأخفش ويونس : الخلاف بمعنى الخلف ، وذلك أن جهة الأمام التي يقصدها الإنسان تخالفها جهة الخلف ، وقال قطرب : معنى خلاف رسول اللّه مخالفة الرسول حين سار إلى تبوك وأقاموا أي قعدوا لأجل المخالفة أو مخالفين له
وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
لكمال شحهم بالأموال والأنفس ، وعدم وجود باعث الإيمان وداعي الإخلاص ، ووجود الصارف عن ذلك وهو ما هم فيه من النفاق ، وفيه تعريض بالمؤمنين الباذلين لأموالهم وأنفسهم في سبيل اللّه لوجود الداعي معهم وانتفاء الصارف عنهم ، وفي الخازن وكرهوا الخروج إلى الجهاد ، وذلك أن الإنسان يميل بطبعه إلى إيثار الراحة والقعود مع الأهل والولد ويكره إتلاف النفس والمال .
وَقالُوا
أي قال المنافقون لإخوانهم
لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ
تثبيطا لهم وكسرا لنشاطهم وتواصيا بينهم بالمخالفة لأمر اللّه ورسوله ، وكانت غزوة تبوك في شدة الحر والقحط ، فأمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم بقوله :
قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا
المعنى أنكم أيها المنافقون كيف تفرون من هذا الحر اليسير ، ونار جهنم التي ستدخلونها خالدين فيها أبدا أشد حرا مما فررتم منه ، فإنكم إنما فررتم من حر يسير في زمن قصير ، ووقعتم في حر كثير في زمن كبير ، بل غير متناه أبد الآبدين ودهر الداهرين .
لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ
أنها كذلك لما فعلوا ما فعلوا ، وهذا اعتراض تذييلي من جهته تعالى غير داخل تحت القول المأمور به مؤكد لمضمونه .