تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
والتطوع التبرع والتنفل بما ليس بواجب
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ
والمعنى أن المنافقين كانوا يعيبون المسلمين إذا تطوعوا بشيء من أموالهم وأخرجوه للصدقة فكانوا يقولون ما أغنى اللّه عن هذا ويقولون ما فعلوا هذا إلا رياء ولم يكن للّه خالصا . أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال : لما نزلت آية الصدقة كنا نتحامل على ظهورنا فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا مراء ، وجاء أبو عقيل بنصف صاع فقال المنافقون : إن اللّه لغني عن صدقة هذا فنزلت هذه الآية « 1 » ، وفي الباب روايات كثيرة .
وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ
بالضم الطافة وهي لغة أهل الحجاز وبالفتح لغيرهم وهي المشقة ، وقيل هما لغتان ومعناهما واحد ، وفي القرطبي : الجهد شيء يسير يعيش به المقل ، وقد تقدم بيان ذلك ، والمعنى أن المنافقين كانوا يعيبون المؤمنين الذين كانوا يتصدقون بما فضل عن كفايتهم .
فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ
أي يستهزئون بهم لحقارة ما يخرجونه في الصدقة مع كون ذلك جهد المقل وغاية ما يقدر عليه ويتمكن منه ، يقال سخرت منه سخرا من باب تعب هزئت به ، والسخري بالكسر اسم منه وبالضم لغة فيه ، والسخرة وزان غرفة ما سخرت من خادم أو جارية أو دابة بلا أجر ولا ثمن ، والسخري بالضم بمعناه وسخرته في العمل بالتثقيل استعملته مجانا ، وسخر اللّه الإبل ذللها وسهلها ومنه سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين .
سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ
أي جازاهم على ما فعلوه من السخرية بالمؤمنين بمثل ذلك فسخر اللّه منهم بأن أهانهم وأذلهم وعذبهم ، والتعبير بذلك من باب المشاكلة كما في غيره ، وقيل هو دعاء عليهم بأن يسخر اللّه بهم كما سخروا بالمسلمين
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
أي ثابت مستمر شديد الألم في الآخرة .

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 80 ]

اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 80 )
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ
أخبر اللّه سبحانه رسوله صلى اللّه عليه وسلم بأن صدور الاستغفار منه للمنافقين وعدمه سواء ، فهذا كلام خرج مخرج الأمر ومعناه الخبر ، وذلك لأنهم ليسوا بأهل الاستغفار منه صلى اللّه عليه وسلم ولا للمغفرة من اللّه سبحانه فهو كقوله تعالى :
قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ
[ التوبة : 53 ] وفيه بيان لعدم المغفرة من اللّه سبحانه للمنافقين وإن أكثر النبي صلى اللّه عليه وسلم من
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 9 ، باب 11 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 151 | صديق الحسيني القنوجي البخاري