تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
الاستغفار لهم . وليس المراد من هذا أنه لو زاد على السبعين لكان ذلك مقبولا كما في سائر مفاهيم الأعداد ، بل المراد بهذا المبالغة في عدم القبول فقد كانت العرب تجري ذلك مجرى المثل في كلامها عند إرادة التكثير ، والمعنى أنه لن يغفر اللّه لهم وإن استغفرت لهم استغفارا بالغا في الكثرة غاية المبالغ . وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن التقييد بهذا العدد المخصوص يفيد قبول الزيادة عليه ، ويدل لذلك ما أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عروة أن عبد اللّه بن أبيّ قال : لولا أنكم تنفقون على محمد وأصحابه لانفضوا من حوله ، وهو القائل
لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ
[ المنافقون : 8 ] فأنزل اللّه
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ
فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لأزيدن على السبعين » ، فأنزل اللّه
سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ
وعن مجاهد وابن عباس نحوه . قال الضحاك : لما نزلت هذه الآية قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه قد رخص لي فسأزيد على السبعين » ، لعل اللّه أن يغفر لهم فأنزل اللّه
سَواءٌ عَلَيْهِمْ
[ البقرة : 6 ] الآية ، يعني فبين له حسم المغفرة . ومعلوم أنه لم يخف عليه ذلك وإنما أراد بما قال إظهار كمال رحمته ورأفته بمن بعث إليهم ، وفيه لطف بأمته وحث على المراحم وشفقة بعضهم على بعض ، وهذا دأب الأنبياء كما قال إبراهيم
وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[ إبراهيم : 36 ] . وذكر بعضهم لتخصيص السبعين وجها وليس بشيء فقال إن السبعة عدد شريف لأنها عدد السماوات والأرضين والبحار والأقاليم والنجوم السيارة والأعضاء وأيام الأسبوع ، فصير كل واحد من السبعة إلى عشرة لأن الحسنة بعشرة أمثالها . وقيل خصت السبعون بالذكر لأنه صلى اللّه عليه وسلم كبر على عمه حمزة سبعين تكبيرة فكأنه قال أن تستغفر لهم سبعين مرة بإزاء تكبيراتك على حمزة وهذا كالذي قبله . ثم علل عدم المغفرة لهم بقوله :
ذلِكَ
الامتناع ليس لعدم الاعتداد باستغفارك بل
بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
ولفظ الكرخي ذلك اليأس من الغفران لهم بسبب إنهم كفروا لا ببخل منا أو قصور فيك ، بل لعدم قابليتهم بسبب الكفر الصارف عنه . اه .
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ
أي المتمردين الخارجين عن الطاعة المتجاوزين لحدودها ، والمراد هنا الهداية الموصلة إلى المطلوب لا الهداية التي بمعنى الدلالة وإراءة الطريق .

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 81 إلى 82 ]

فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ ( 81 ) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 82 )
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 152 | صديق الحسيني القنوجي البخاري