وقد اختلف أئمة التفسير في سبب نزول هذه الآية ، فقيل نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت ووديعة بن ثابت ، وذلك إنه لما كثر نزول القرآن في غزوة تبوك في شأن المنافقين وذمهم فقالا : لئن كان محمد صادقا على إخواننا الذين هم سادتنا وخيارنا لنحن شر من الحمير ، فقال له عامر بن قيس أجل واللّه أن محمدا لصادق مصدق ، وإنك لشر من الحمار ، وأخبر عامر بذلك النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وجاء الجلاس فحلف باللّه إن عامرا لكاذب ، وحلف عامر لقد قال ، وقال : اللّهم أنزل على نبيك شيئا فنزلت . وقيل إن الذي سمع ذلك عاصم بن عدي وقيل حذيفة .
وقيل بل سمعه ولد امرأته - أي امرأة الجلاس - واسمه عمير بن سعد فهمّ الجلاس بقتله لئلا يخبر بخبره .
وقيل إن هذه الآية نزلت في عبد اللّه بن أبيّ رأس المنافقين لما قال ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل سمّن كلبك يأكلك ، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، فأخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم بذلك ، فجاء عبد اللّه بن أبيّ فحلف أنه لم يقله .
وقيل إنه قول جميع المنافقين ، وإن الآية نزلت فيهم ، وعلى تقدير أن القائل واحد أو اثنان فنسبة القول إلى جميعهم هي باعتبار موافقة من لم يقل ولم يحلف من المنافقين لمن قد قال وحلف ، وفي الباب أحاديث مختلفة في سبب نزول هذه الآية وفيما ذكرناه كفاية .
ثم رد اللّه على المنافقين وكذبهم أنهم حلفوا كذبا فقال :
وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ
وهي ما تقدم بيانه على اختلاف الأقوال السابقة
وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ
أي كفروا بهذه الكلمة بعد إظهارهم الإسلام وإن كانوا كفارا في الباطن ، والمعنى إنهم فعلوا ما يوجب كفرهم على تقدير صحة إسلامهم .
وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا
قيل هو همهم بقتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليلة العقبة في غزوة تبوك وهم بضعة عشر رجلا فضرب عمار بن ياسر ، وفي قول حذيفة بن اليمان وجوه الرواحل لما غشوه فرجعوا ، والقصة مبسوطة في سيرة الحلبي وغيرها ، وقيل هموا بعقد التاج على رأس عبد اللّه بن أبيّ ، وقيل هو همّ الجلاس بقتل من سمعه يقول تلك المقالة فأخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
وَما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ
أي ما عابوا وأنكروا وكرهوا إلا ما هو حقيق بالمدح والثناء ، وهو إغناء اللّه لهم من فضله ، والاستثناء مفرغ من أعم العام فهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم ، وقد كان هؤلاء المنافقون في ضيق من العيش فلما قدم النبي صلى اللّه عليه وسلم المدينة اتسعت معيشتهم وكثرت أموالهم ، فجعلوا موضع شكر النبي صلى اللّه عليه وسلم النقمة ، وقيل إنهم بطروا النعمة أشرا .