الرجال فذلك دل على أن الجهاد من فروض الكفايات ليس على الأعيان .
وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فيه الأمر بالجهاد بالأنفس والأموال وإيجابه على العباد ، فالفقراء يجاهدون بأنفسهم ، والأغنياء بأموالهم وأنفسهم ، والجهاد من أكبر الفرائض وأعظمها ، وهو فرض كفاية مهما كان البعض يقوم بجهاد العدد ويدفعه ، فإن كان لا يقوم بالعدو إلا جميع المسلمين في قطر من الأرض أو أقطار وجب عليهم ذلك وجوب عين .
ذلِكُمْ
أي ما تقدم من الأمر بالنفير والأمر بالجهاد
خَيْرٌ لَكُمْ
عظيم في نفسه وخير من السكون والدعة
إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
ذلك وتعرفون الأشياء الفاضلة وتميزونها عن المفضولة فافعلوه .
ونزل في الذين تخلفوا عن غزوة تبوك
لَوْ كانَ
المدعو إليه أو ما تدعوهم إليه
عَرَضاً
هو ما يعرض من منافع الدنيا ومتاعها ، يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر ، والفاجر
قَرِيباً
والمعنى غنيمة سهلة قريبة التناول غير بعيدة
وَسَفَراً قاصِداً
أي متوسطا بين القرب والبعد ، وكل متوسط بين الإفراط والتفريط فهو قاصد
لَاتَّبَعُوكَ
أي لوافقوك في الخروج ولخرجوا معك طمعا في تلك المنافع التي تحصل لهم
وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ
قال أبو عبيدة وغيره : إن الشقة السفر إلى أرض بعيدة ، يقال منه شقة وشاقة ، والشقة المسافة التي تقطع بمشقة . قال الجوهري :
الشقة بالضم من الثياب والشقة أيضا السفر البعيد ، وربما قالوه بالكسر فهي مشتقة من المشقة كما في السمين ، والمراد بها غزوة تبوك فإنها كانت سفرة بعيدة شاقة وكانوا يستعظمون غزو الروم ، لا جرم تخلفوا بهذا السبب .
وَسَيَحْلِفُونَ
أي المتخلفون عن غزوة تبوك ، وأتى بالسين لأنه من قبيل الإخبار بالغيب فإن اللّه أنزل هذه الآية قبل رجوعه من تبوك أي سيحلفون
بِاللَّهِ
اعتذارا عنه حال كونهم قائلين
لَوِ اسْتَطَعْنا
أي لو قدرنا على الخروج ووجدنا ما نحتاج إليه فيه مما لا بدّ منه ، وقيل : لو كان لنا استطاعة من جهة العدة أو من جهة الصحة أو من جهتهما حسبما عنّ لهم من الكذب والتعلل وعلى كلا التقديرين فقوله :
لَخَرَجْنا مَعَكُمْ
ساد مسد جوابي القسم والشرط جميعا وقد وقع حسبما أخبر به وهو من جملة المعجزات الباهرة .
وقوله :
يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ
بدل من قوله :
سَيَحْلِفُونَ
لأن من حلف كذبا فقد أهلك نفسه ، ولذا قال صلى اللّه عليه وسلم : « اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع » « 1 » أو يكون حالا
هامش
( 1 ) رواه ابن الأثير الجزري في النهاية في غريب الحديث 1 / 153 ، بلفظ : « اليمين الكاذبة تدع الديار بلاقع » .