وقال الترمذي حسن . وكذلك أهل نجران لم يأخذ في جزيتهم ذهبا ولا فضة ، إنما أخذ الحلل والسلاح .
وإذا عرف هذا فقد تبين أن الجزية غير مقدرة بالشرع تقديرا لا يقبل الزيادة والنقصان ، ولا معينة في جنس من الأجناس .
وأما وقت قبض الجزية فإنها تجب في آخر الحول ولا يطالبون بها قبل ذلك وبه قال أحمد والشافعي . وقال أبو حنيفة : تجب بأول الحول ويؤخذ منه كل شهر بقسطه ، وقال غيرهم وهم الأكثرون : إنه صلى اللّه عليه وسلم لما ضرب الجزية على أهل الكتاب والمجوس لم يطالبهم بها حين ضربها ، ولا ألزمهم بأدائها في الحال وقت نزول الآية بل صالحهم عليها ، وكان يبعث رسله وسعاته فيأتون بالجزية والصدقة عند محلها ، واستمرت على ذلك سيرة خلفائه من بعده .
قال الحافظ ابن القيم رحمه اللّه : وهذا مقتضى قواعد الشريعة وأصولها ، فإن الأموال التي تتكرر بتكرر الأعوام إنما تجب في آخر العام لا في أوله .
وأما قوله :
حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ
فليس المراد به العطاء الأول بل العطاء المستمر المتكرر . وهذه كانت سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيهم .
وقال أصحاب الشافعي : تجب بأول السنة دفعة واحدة ، ولكن يستقر جزء بعد جزء ، وقال بعضهم : إنما يدخل وقت وجوبها عند انقضاء السنة ، وتسقط الجزية بالإسلام ولو اجتمعت عليه جزية سنين ، فقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « ليس على مسلم جزية » « 1 » .
وَهُمْ صاغِرُونَ
أي يعطي الذمي الجزية حال كونه صاغرا والصغار الذل واختلف العلماء في المراد من الصغار فقال عكرمة أن يدفعها وهو قائم ، والآخذ جالس ، وقيل أن يأتي بها بنفسه ماشيا لا راكبا ، ويطال وقوفه عند اتيانه بها ويجر إلى الموضع الذي فيه الآخذ ثم تجر يده ويمتهن .
وفي الكشاف إنه يتلتل تلتلة ويؤخذ بتلابيبه ويقال له أد الجزية وإن كان يؤديه ويزج في قفاه انتهى . وقال ابن عباس : يمشون بها متلتلين ، وعنه قال : يلكزون ، وقال الكلبي : إذا أعطى يصفع قفاه ، وقيل هو أن يؤخذ بلحيته ويضرب في لهزمتيه ، ويقال له : أد حق اللّه يا عدو اللّه وقال سلمان : معنى صاغرين غير محمودين وقيل غير ذلك مما لم يدل عليه دليل .
قال الحافظ ابن القيم رحمه اللّه : وهذا كله مما لا دليل عليه ولا هو مقتضى الآية ، ولا نقل عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا عن أصحابه ، قال : والصواب في الآية أن
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في الزكاة باب 11 .