تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 579

مساهمون:

ص٥٧٩
المتقين ، وهو استدراك مما تقدمه لأن معناه معنى النفي كأنه قال ليس لهم في تقلبهم في البلاد كثير انتفاع ، لكن الذين اتقوا وإن أخذوا في التجارة لا يضرهم ذلك وإن لهم ما وعدهم به . وفي الشهاب وجه الاستدراك أنه رد على الكفار فيما يتوهمون من أنهم ينعمون ، وأن المؤمنين في عناء ومشقة ، فقال ليس الأمر كما توهمتم فإن المؤمنين لا عناء لهم إذا نظر إلى ما أعد لهم عند اللّه ، أو أنه لما ذكر تنعمهم بتقلبهم في البلاد ، أو هم أن اللّه لا ينعم المؤمنين ، فاستدرك عليه بأن ما هم فيه عين النعيم لأنه سببب لما بعده من النعم الجسام .
لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها
أي مقدرين الخلود
نُزُلًا
النزل ما يهيّأ للنزيل ويعد للضيف ، والجمع انزال ثم اتسع فيه فأطلق على الرزق والغذاء وإن لم يكن ضيف ، ومنه
فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ
[ الواقعة : 93 ] وهو مصدر مؤكد عند البصريين أو جمع نازل ، وقال الهروي ثوابا
مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
وقيل إكراما من اللّه لهم أعدها لهم كما يعد القرى للضيف إكراما .
وَما عِنْدَ اللَّهِ
مما عده لمن أطاعه
خَيْرٌ
للتفضيل وهو ظاهر
لِلْأَبْرارِ
مما يحصل للكفار من الربح في الأسفار ، فإنه متاع قليل عن قريب يزول . عن ابن عمر قال : إنما سماهم أبرارا لأنهم برّوا الآباء والأبناء كما أن لوالدك عليك حقا كذلك لولدك عليك حق وروي هذا مرفوعا والأول أصح قاله السيوطي ، وقال ابن زيد خير لمن يطيع اللّه .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 199 إلى 200 ]

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 199 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 200 )
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ
هذه الجملة سيقت لبيان أن بعض أهل الكتاب لهم حظ من الدين وليسوا كسائرهم في فضائحهم التي حكاها اللّه عنهم فيما سبق وفيما سيأتي ، فإن هذا البعض يجمعون بين الإيمان باللّه وبما أنزله على نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وما أنزله على أنبيائهم حال كونهم
خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ
تصريح بمخالفتهم للمحرفين والجملة حال
بِآياتِ اللَّهِ
التي عندهم في التوراة والإنجيل
ثَمَناً قَلِيلًا
من الدنيا بالتحريف والتبديل كما يفعله سائرهم بل يحكون كتاب اللّه كما هو .
أُولئِكَ
أي هذه الطائفة الصالحة من أهل الكتاب من حيث اتصافهم بهذه
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 579 | صديق الحسيني القنوجي البخاري