وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن : هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة ، ولم يكن في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم غزو يرابط فيه ، والرباط اللغوي هو الأول ، ولا ينافيه تسميته صلّى اللّه عليه وسلّم لغيره رباطا ، ويمكن إطلاق الرباط على المعنى الأول وعلى انتظار الصلاة ، قال الخليل : الرباط ملازمة الثغور ومواظبة الصلاة ، وهكذا قال وهو من أئمة اللغة .
وحكى ابن فارس عن الشيباني أنه قال : يقال ماء مترابط دائم لا يبرح ، وهو يقتضي تعدية الرباط إلى غير ارتباط الخيل في الثغور ، قال الخازن كل مقيم بثغر يدفع عمن وراءه وإن لم يكن له مركوب مربوط .
وعن أبي هريرة : قال أما إنه لم يكن في زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم غزو يرابطون فيه ، ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد يصلون الصلوات في مواقيتها ثم يذكرون اللّه فيها .
وقد ثبت في الصحيح وغيره من قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « ألا أخبركم بما يمحو اللّه به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوع على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط » « 1 » .
وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الرباط ، وفيها التصريح بأنه الرباط في سبيل اللّه « 2 » ، وهو يرد ما قاله أبو سلمة بن عبد الرحمن فإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد ندب إلى الرباط في سبيل اللّه وهو الجهاد ، فيحمل ما في الآية عليه .
وقد ورد عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه سمى حراسة الجيش رباطا فأخرج الطبراني في الأوسط بسند جيد عن أنس قال : سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن أجر المرابط فقال : « من رابط ليلة حارسا من وراء المسلمين كان له أجر من خلفه ممن صام وصلى » .
وَاتَّقُوا اللَّهَ
في جميع أحوالكم ، ولا تخالفوا ما شرعه لكم
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
أي تكونون من جملة الفائزين بكل مطلوب ، الناجين من كل الكروب .
وقد ورد في فضل هذه العشر الآيات التي في آخر هذه السورة مرفوعا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما أخرجه ابن السني وابن مردويه وابن عساكر عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الطهارة حديث 41 ، والترمذي في الطهارة باب 39 ، والنسائي في الطهارة باب 106 ، ومالك في السفر حديث 55 ، وأحمد في المسند 2 / 277 ، 303 .
( 2 ) لفظ الحديث : « رباط يوم في سبيل اللّه خير من صيام شهر وقيامه » هذا لفظ مسلم ، والحديث أخرجه البخاري في الجهاد باب 73 ، ومسلم في الإمارة حديث 163 ، والنسائي في الجهاد باب 39 ، وابن ماجة في الجهاد باب 7 ، والدارمي في الجهاد باب 31 ، وأحمد في المسند 1 / 62 ، 65 ، 66 ، 75 ، 2 / 177 ، 3 / 468 ، 5 / 339 ، 440 ، 441 .