تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
ومحسوبين في جملتهم ، أو المراد في سلكهم على سبيل الكناية أو أن مع بمعنى
عَلى
أي على أعمال الأبرار أو محشورين معهم .
رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ
هذا دعاء آخر ، والنكتة في تكرير النداء ما تقدم والموعود به على ألسن الرسل هو الثواب الذي وعد اللّه به أهل طاعته ، ففي الكلام حذف وهو لفظ الألسن كقوله :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[ يوسف : 82 ] وقيل المحذوف التصديق أي ما وعدتنا على تصديق رسلك ، وقيل ما وعدتنا منزّلا على رسلك ومحمولا على رسلك . ولا يخفى أن تقدير الأفعال الخاصة في مثل هذه المواقع تعسف ، فالأول أولى . وصدور هذا الدعاء منهم مع علمهم أن ما وعدهم اللّه به على ألسن رسله كائن لا محالة إما لقصد التعجيل أو للخضوع بالدعاء لكونه مخ العبادة .
وَلا تُخْزِنا
لا تفضحنا ولا تهنا
يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ
فيه دليل على أنهم لم يخافوا خلف الوعد ، وأن الحامل لهم على الدعاء هو ما ذكرنا .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 195 ]

فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ ( 195 )
فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ
الاستجابة بمعنى الإجابة وقيل الإجابة عامة والاستجابة خاصة بإعطاء المسؤول ، وهذا الفعل يتعدى بنفسه وباللام ، يقال إستجابه واسجباب له ، وإنما ذكر سبحانه الاستجابة وما بعدها في جملة ما لهم من الأوصاف الحسنة لأنها منه ، إذ من أجيبت دعوته فقد رفعت درجته .
أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ
أي أعطاهم ما سألوه وقال لهم إني لا أحبط عملكم أيها المؤمنون بل أثيبكم عليه ، والمراد بالإضاعة ترك الإثابة
مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى
« من » بيانية مؤكدة لما تقتضيه النكرة الواقعة في سياق النفي من العموم .
بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ
أي رجالكم مثل نسائكم في ثواب الطاعة والعقاب ونساؤكم مثل رجالكم فيهما ، وقيل في الدين والنصرة والموالاة ، والأول أولى ، والجملة معترضة أو مستأنفة لبيان كون كل منهما من الآخر ما أجمل في قوله :
أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ .
فَالَّذِينَ هاجَرُوا
من أوطانهم إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال الزمخشري : هذا تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم ، قال الكرخي : والظاهر أن هذه الجمل التي بعد الموصول كلها صفات له ، فلا يكون الجزاء إلا لمن جمع هذه الصفات ، ويجوز