وقوله :
الَّذِينَ قُتِلُوا
هو المفعول الأول ، والحاسب هو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو كل أحد كما سبق . وقيل معناها لا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتا ، وهذا تكلف لا حاجة إليه ، ومعنى النظم القرآني في غاية الوضوح والجلاء .
قيل وفي الكلام حذف والتقدير عنه كرامة ربهم ، قال سيبويه هذه عنديّة الكرامة لا عندية القرب ، والمراد بالرزق هو الرزق المعروف في العادات على ما ذهب إليه الجمهور كما سلف وعند من عدا الجمهور المراد به الثناء الجميل .
ولا وجه يقتضي تحريف الكلمات العربية في كتاب اللّه تعالى وحملها على مجازات بعيدة لا بسبب يقتضي ذلك .
وقد تعلق بهذا من يقول بالتناسخ من المبتدعة ، ويقول بانتقال الأرواح وتنعيمها في الصور الحسان المرفهة وتعذيبها في الصور القبيحة ، ويزعمون أن هذا هو الثواب والعقاب ؟ وهذا ضلال مبين ، وقول ليس عليه أثارة من علم لما فيه من إبطال ما جاءت به الشرائع من الحشر والنشر والمعاد والجنة والنار والأحاديث الصحيحة تدفعه وترده .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 170 إلى 172 ]
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 170 ) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ( 171 ) الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 172 )
فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ
أي ما ساقه إليهم من الكرامة بالشهادة وما صاروا فيه من الحياة وما يصل إليهم من رزق اللّه سبحانه ، والزلفى من اللّه والتمتع بالنعيم المخلد عاجلا
وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ
من إخوانهم الذين تركوهم أحياء في الدنيا على منهج الإيمان والجهاد ، والمراد اللحوق بهم في القتل والشهادة أي بل سيلحقون بهم من بعد ، وقيل المراد لم يلحقوا بهم في الفضل وإن كانوا أهل فضل في الجملة .
وقيل المراد بإخوانهم هنا جميع المسلمين الشهداء وغيرهم ، لأنهم لما عاينوا ثواب اللّه وحصل لهم اليقين بحقية دين الإسلام استبشروا بذلك لجميع أهل الإسلام الذين هم أحياء لم يموتوا ، وهذا قوي لأن معناه أوسع ، وفائدته أكثر ، واللفظ يحتمله بل هو الظاهر ، وبه قال الزجاج وابن فورك .
أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ
في الآخرة والخوف غم يلحق الإنسان بما يتوقعه من السوء
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
على ما فاتهم من نعيم الدنيا والحزن غم يلحقه من فوات نافع أو حصول ضار ، فمن كانت أعماله مشكورة فلا يخاف العاقبة ومن كان متقلبا في نعمة اللّه وفضله فلا يحزن أبدا .