وسميت العقوبة التي نزلت بهم ثوابا على سبيل المجاز لأن لفظ الثواب لا يستعمل في الأغلب إلا في الخير ، وقد يجوز استعماله في الشر لأنه مأخوذ من ثاب إذا رجع ، فأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله سواء كان خيرا أو شرا ، فمتى حملنا لفظ الثواب على أصل اللغة كان حقيقة ، ومتى حملناه على الأغلب كان مجازا .
لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ
من الغنيمة
وَلا ما أَصابَكُمْ
من الهزيمة تمرينا لكم على المصائب وتدريبا لاحتمال الشدائد ، وقال المفضل : لكي تحزنوا ولا زائدة كقوله أن لا تسجد وقوله :
لِئَلَّا يَعْلَمَ
أي أن تسجد وليعلم
وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ
من الأعمال خيرها وشرها فيجازيكم عليها .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 154 ]
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 154 )
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ
يا معشر المسلمين
مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ
التصريح بالبعدية مع دلالة ثم عليها وعلى التراخي لزيادة البيان وتذكير عظم النعمة
أَمَنَةً
الأمنة والأمن سواء ، وقيل الأمنة إنما تكون مع بقاء أسباب الخوف والأمن مع عدمه وكان سبب الخوف بعد باقيا
نُعاساً
وهو أخفّ من النوم بدل كل أو اشتمال ، واختاره السمين .
يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ
قال ابن عباس إنما ينعس من يأمن ، والخائف لا ينام ، والطائفة تطلق على الواحد والجماعة ، وهذه الطائفة هم المؤمنون الذين خرجوا للقتال طلبا للأجر ، والطائفة الآتية هم معتب بن قشير وأصحابه ، وكانوا خرجوا طمعا في الغنيمة وجعلوا يتأسفون على الحضور ، ويقولون الأقاويل .
وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره أن أبا طلحة قال غشينا ونحن في مصافّنا يوم أحد فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه فذلك قوله يعني هذه الآية « 1 » .
وعن الزبير بن العوام قال : رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر وما منهم من أحد إلا وهو يميل تحت حجفته من النعاس وتلا هذه الآية « 2 » .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 3 ، باب 11 ، والترمذي في تفسير سورة 3 ، باب 16 .
( 2 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 3 ، باب 15 ، ولفظه « يميد » بدل يميل .