هذه الوجوه سائغة ، وكونه ظرفا لصرفكم جيد من جهة المعنى ، ولعفا جيد من جهة القرب ، وعلى بعض هذه الأقوال تكون المسألة من باب التنازع ، وتكون على إعمال الأخير منها لعدم الإضمار في الأول ، ويكون التنازع في أكثر من عاملين .
قال أبو حاتم : يقال أصعدت إذا مضيت حيال وجهك ، وصعدت إذا ارتقيت في جبل ، فالإصعاد السير في مستوى الأرض وبطون الأودية ، والصعود الارتفاع على الجبال والسطوح والسلالم والدرج ، فيحتمل أن يكون صعودهم في الجبل بعد إصعادهم في الوادي .
وقال القتيبي : أصعد إذا أبعد في الذهاب وأمعن فيه ، وقال الفراء الإصعاد الابتداء في السفر ، والانحدار الرجوع منه يقال أصعدنا من بغداد إلى مكة وإلى خراسان وأشباه ذلك إذا خرجنا إليها وأخذنا في السفر ، وانحدرنا إذا رجعنا .
وقال المفضل : صعد وأصعد بمعنى واحد ، وقرىء تصعدون بالتشديد وأصلها تتصعدون بتاء الخطاب ، وقرىء بياء الغيبة على الالتفات وهو حسن والضمير يعود على المؤمنين .
وَلا تَلْوُونَ
وقرىء بضم التاء من ألوى وهي لغة ففعل وأفعل بمعنى ، وقرىء بواو واحدة أي لا تعرجون من التعريج وهو الإقامة على الشيء فإن المعرّج إلى الشيء يلوي إليه عنقه أو عنق دابته ، وكذا شأن المنتظر ، والمعنى لا تقيمون
عَلى أَحَدٍ
ممن معكم ، وقيل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولا يتلفت بعضكم إلى بعض ولا يقف واحد منكم لواحد ولا ينتظره هربا .
وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ
في الطائفة المتأخرة منكم ، يقال جاء فلان في آخر الناس وآخرة الناس وأخرى الناس وأخريات الناس ، وقيل من ورائكم وقال أبو السعود في ساقتكم وجماعتكم الأخرى ، فكان دعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إليّ عباد اللّه أي ارجعوا .
فَأَثابَكُمْ
أي فجازاكم اللّه
غَمًّا
حين صرفكم عنهم بسبب غمّ أذقتموه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعصيانكم أو غما موصولا
بِغَمٍّ
بسبب ذلك الإرجاف والجرح والقتل وظفر المشركين ، والباء على هذا بمعنى على أي مضاعفا على غمّ فوت الغنيمة .
والغم في الأصل التغطية ، غمّيت الشيء غطيته ويوم غم وليلة غمة إذا كانا مظلمين ، ومنه غم الهلال ، وقيل الغم الأول الهزيمة ، والثاني إشراف أبي سفيان وخالد بن الوليد عليهم في الجبل ، وقيل الغم الأول هو ما فاتهم من الظفر ، والثاني ما نالهم من الهزيمة ، وقيل الأول ما أصابهم من القتل والجراح ، والثاني ما سمعوا بأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم قد قتل ، وقيل الأول بسبب إشراف خالد بن الوليد مع خيل المشركين ، والثاني حين أشرف أبو سفيان .