قال الأخفش : إن التكرير بمعنى التأكيد مثل قوله :
وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ
[ الأنعام : 38 ] وقيل معناه بصراء وليس في أعينكم علل تتأملون الحال كيف هي فلم انهزمتم ، وقيل معناه وأنتم تنظرون إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم .
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن رجالا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كانوا يقولون ليتنا نقتل كما قتل أصحاب بدر ، ونستشهد ، أو ليت لنا يوما كيوم بدر نقاتل فيه المشركين ونبلي فيه خيرا ونلتمس الشهادة والجنة والحياة والرزق فأشهدهم اللّه أحدا فلم يثبتوا إلا من شاء اللّه منهم ، فقال اللّه
وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ
الآية وفيه توبيخ لهم على أنهم تمنوا الحرب . وتسببوا فيها ثم جبنوا وانهزموا عنها ، أو توبيخ لهم على الشهادة فإن في تمنيها تمنّي غلبة الكافرين .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 144 إلى 145 ]
وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ( 144 ) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ( 145 )
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ
سبب نزول هذه الآية أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما أصيب يوم أحد صاح الشيطان قائلا قد قتل محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ففشل بعض المسلمين حتى قال قائل قد أصيب محمد فأعطوا بأيديكم فإنما هم إخوانكم ، وقال آخر لو كان رسولا ما قتل فرد اللّه عليهم ذلك وأخبرهم بأنه رسول
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
وسيخلو كما خلوا فهذه الجملة صفة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، والقصر قصر أفراد كأنهم استبعدوا هلاكه فأثبتوا له صفتين الرسالة وكونه لا يهلك فرد اللّه عليهم ذلك بأنه رسول لا يتجاوز ذلك إلى صفة عدم الهلاك ، وقيل هو قصر قلب .
ثم أنكر اللّه عليهم بقوله :
أَ فَإِنْ ماتَ
الهمزة للاستفهام الإنكاري أي كيف ترتدون وتكفرون دينه إذا مات
أَوْ قُتِلَ
مع علمكم أن الرسل تخلو ويتمسك أتباعهم بدينهم وإن فقدوا بموت أو قتل ، وقيل الإنكار لجعلهم خلو الرسل قبله سببا لانقلابهم بموته أو قتله ، وإنما ذكر القتل سبحانه مع علمه أنه لا يقتل لكونه مجوزا عند المخاطبين .
انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ
أي ترجعون إلى دينكم الأول يقال لكل من رجع إلى ما كان عليه نكص على عقبيه ورجع وراءه . والحاصل أن موته صلّى اللّه عليه وسلّم أو قتله لا يوجب ضعفا في دينه ولا الرجوع عنه بدليل موت سائر الأنبياء قبله ، وإن أتباعهم ثبتوا على دين أنبيائهم بعد موتهم ، فلا ينبغي منكم الانقلاب والارتداد حينئذ ، لأن محمدا عبد