وفيه دليل على أن هذه الأمة الإسلامية خير الأمم على الإطلاق ، وأن هذه الخيرية مشتركة بين أول هذه الأمة وآخرها بالنسبة إلى غيرها من الأمم ، وإن كانت متفاضلة في ذات بينها كما ورد في فضل الصحابة على غيرهم .
أُخْرِجَتْ
أي أظهرت
لِلنَّاسِ
أي لنفعهم ومصالحهم في جميع الأعصار حتى تميزت وعرفت
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
كلام مستأنف يتضمن بيان كونهم خير أمة مع ما يشتمل عليه من أنهم خير أمة ما أقاموا على ذلك واتصفوا به فإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال عنهم ذلك .
ولهذا قال مجاهد إنهم خير أمة على الشرائط المذكورة في الآية .
وهذا يقتضي أن يكون
تَأْمُرُونَ
وما بعده في محل النصب على الحال أي كنتم خير أمة حال كونكم آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر مؤمنين باللّه وبما يجب عليكم الإيمان به من كتابه ورسوله وما شرعه لعباده . فإنه لا يتم الإيمان باللّه سبحانه إلا بالإيمان بهذه الأمور .
قال ابن عباس في الآية : هم الذين هاجروا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، وقال عمر بن الخطاب لو شاء اللّه لقال أنتم فكنا كلنا ، ولكن قال كنتم في خاصة أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومن صنع مثل صنعهم كانوا خير أمة ، وفي لفظ عنه يكون لأولنا ولا يكون لآخرنا وأيضا قال يا أيها الناس من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط اللّه منها .
وقال عكرمة : نزلت في ابن مسعود وعمار بن ياسر وسالم مولى أبي حذيفة وأبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل ، وقال أبو هريرة خير الناس : الناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام « 1 » ، أخرجه البخاري وغيره .
وعن معاوية بن حيدة أنه سمع النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول في الآية أنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها « 2 » ، رواه الترمذي وحسنه أحمد وابن ماجة والحاكم وصححه والطبراني وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ، وروي من حديث معاذ وأبي سعيد ونحوه .
وقد وردت أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما أنه يدخل من هذه الأمة الجنة سبعون ألفا بغير حساب ولا عذاب « 3 » ، وهذا من فوائد كونها خير الأمم .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 3 ، باب 7 .
( 2 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 3 ، باب 9 ، وابن ماجة في الزهد باب 34 ، والدارمي في الرقاق باب 47 ، وأحمد في المسند 4 / 447 ، 5 / 3 ، 5 .
( 3 ) لفظ الحديث : « يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب » ، أخرجه البخاري في الرقاق باب