تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
والحاصل إن من قرأ بالتشديد لزمه أن يحمل الرباني على أمر زائد على العلم والتعليم ، هو أن يكون مع ذلك مخلصا أو حكيما أو حليما حتى تظهر السببية ، ومن قرأ بالتخفيف جاز له أن يحمل الرباني على العالم الذي يعلّم الناس ، فيكون المعنى كونوا معلمين بسبب كونكم علماء ، وبسبب كونكم تدرسون العلم . وفي هذه الآية أعظم باعث لمن علم على أن يعمل ، وإن من أعظم العمل بالعلم تعليمه والإخلاص للّه سبحانه ، والدراسة مذاكرة العلم والفقه ، فدلت الآية على أنّ العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانيا فمن اشتغل بها لا لهذا المقصود فقد ضاع علمه وخاب سعيه .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 80 إلى 81 ]

وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 80 ) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ( 81 )
وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً
أي ليس له أن يأمر بعبادة نفسه ولا أن يأمر باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا بل ينهى عنه ، والمعنى يقول ويأمر ، وقيل ولا أن يأمركم وقرىء على الاستئناف برفع الراء أي لا يأمركم اللّه أو محمد أو عيسى أو الأنبياء .
أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
قاله على طريق التعجب والإنكار يعني لا يقول هذا ولا يفعله ، وقد استدل من قال إن سبب نزول الآية استئذان من استأذن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من المسلمين في أن يسجدوا له .
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما
بفتح اللام للابتداء وتوكيد معنى القسم الذي في أخذ الميثاق وبكسرها متعلقة بأخذ ، وما موصولة على الوجهين أي للذي
آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ
وجواب القسم لتؤمنن به ولتنصرنه . قد اختلف في تفسير هذه الآية فقال سعيد بن جبير وقتادة وطاوس والحسن والسدي أنه أخذ اللّه ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضا بالإيمان ، ويأمر بعضهم بعضا بذلك ، فهذا معنى النصرة له والإيمان به وهو ظاهر الآية . فحاصله أن اللّه أخذ ميثاق الأول من الأنبياء أن يؤمن بما جاء به الآخر وينصره إن أدركه ، وإن لم يدركه يأمر قومه بنصرته إن أدركوه ، فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى ، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم . وقال الكسائي : يجوز أن يكون معناها وإذ أخذ اللّه ميثاق الذين مع النبيين ،