على المؤمنين لكونهم يعتقدون أن أهل الكتاب لديهم علم ، فإذا كفروا بعد الإيمان وقع الريب لغيرهم واعتراه الشك ، وهم لا يعلمون أن اللّه قد ثبت قلوب المؤمنين ومكن أقدامهم فلا تزلزلهم أراجيف أعداء اللّه ولا تحركهم ريح المعاندين .
عن ابن عباس قال : قال عبد اللّه بن الصيف وعدي بن زيد والحارث بن عوف بعضهم لبعض تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه غدوة ، ونكفر به عشية حتى نلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعون كما نصنع فيرجعون عن دينهم ، فأنزل اللّه عليهم هذه الآية إلى قوله :
واسِعٌ عَلِيمٌ
وقد روي نحو هذا عن جماعة من السلف .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 73 إلى 74 ]
وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 73 ) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 74 )
وَلا تُؤْمِنُوا
هذا من كلام اليهود بعضهم لبعض أي قال الرؤساء للسفلة لا تصدقوا تصديقا صحيحا
إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ
من أهل الملة التي أنتم عليها ، وأما غيرهم ممن أسلم فأظهروا لهم ذلك خداعا وجه النهار ، واكفروا آخره ليفتتنوا .
والمعنى أن ما بكم من الحسد والبغي ، أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم ، أو لا تؤمنوا إيمانا صحيحا وتقروا بما في صدوركم إقرارا صادقا لغير من تبع دينكم ، فعلتم ذلك ودبرتموه وإن المسلمين يحاجوكم يوم القيامة عند اللّه بالحق .
وقال الأخفش المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولا تصدقوا أن يحاجوكم ، وقيل المراد لا تؤمنوا وجه النهار وتكفروا آخره إلا لمن تبع دينكم أي لمن دخل في الإسلام وكان من أهل دينكم قبل إسلامه ، لأن إسلام من كان منهم من الذي قتلهم غيظا وأماتهم حسرة وأسفا .
وقيل لا تؤمنوا أي لا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أي أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب اللّه مثل ما أوتيتم ولا تفشوه إلا لأتباع دينكم .
وقيل المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم بالمد على الاستفهام تأكيدا للإنكار الذي قالوه لا يؤتى أحد مثل ما أوتوه .
وقال ابن جريج المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم كراهة أن يؤتى ، وقيل المعنى لا تخبروا بما في كتابكم من صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إلا لمن تبع دينكم لئلا يكون ذلك سببا لإيمان غيركم بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم .
واختلف الناس المفسرون والمعربون في هذه الآية على أوجه ، وذكروا منها