تعالى شأنه وإجرائها على ظواهرها من غير تأويل ولا تحريف ولا تعطيل إلى المباهلة بين الركن والمقام ، فلم يجبه إلى ذلك وخاف سوء العاقبة ، وتمام هذه القصة مذكور في أول كتابه المعروف بالنونية .
وأتى سبحانه وتعالى هنا بثم تنبيها لهم على خطيئتهم في مباهلته كأنه يقول لهم لا تعجلوا وتأنوا لعله أن يظهر لكم الحق ، فلذلك أتى بحرف التراخي
فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ
يعني منا ومنكم بأن نقول اللهم العن الكاذب في شأن عيسى أي الذي يقول إنه ابن اللّه ويقول إنه إله ، هذه جملة مبينة لمعناه .
وفي الآية دليل قاطع وبرهان ساطع على صحة نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه لم يرو أحد من موافق ومخالف أنهم أجابوا إلى المباهلة ، لأنهم عرفوا صحة نبوته وما يدل عليها في كتبهم .
إِنَّ هذا
أي الذي قصه اللّه على رسوله من نبأ عيسى
لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ
القصص التتابع يقال فلان يقص أثر فلان أي يتبعه ، فأطلق على الكلام الذي يتبع بعضه بعضا ، وضمير الفصل للحصر ودخول اللام عليه لزيادة تأكيده ، وزيادة من في قوله :
وَما مِنْ إِلهٍ
لتأكيد العموم والاستغراق
إِلَّا اللَّهُ
وهو رد على من « قال » بالتثليث من النصارى
وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ
أي الغالب المنتقم ممن عصاه وخالف أمره ، وادعى معه إلها آخر
الْحَكِيمُ
أي في تدبيره ، وفيه رد على النصارى لأن عيسى لم يكن كذلك .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 63 إلى 64 ]
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ( 63 ) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 64 )
فَإِنْ تَوَلَّوْا
أي أعرضوا عن الإيمان ولم يقبلوه
فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ
أي الذين يعبدون غير اللّه ويدعون الناس إلى عبادة غيره فيه وعيد وتهديد لهم شديد .
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ
قيل الخطاب لأهل نجران بدليل ما تقدم قبل هذه الآية ، وقيل ليهود المدينة ، وقيل لليهود والنصارى جميعا ، وهو ظاهر النظم القرآني ، ولا وجه لتخصيصه بالبعض ، لأن هذه دعوة عامة لا تختص بأولئك الذين حاجوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، بالسواء العدل .
قال الفراء : يقال في معنى العدل سوى وسواء . فإذا فتحت السين مددت وإذا ضممت أو كسرت قصرت ، وفي قراءة ابن مسعود ( إلى كلمة عدل ) فالمعنى أقبلوا إلى ما دعيتم إليه وهي الكلمة العادلة المستقيمة التي ليس فيها ميل عن الحق ، والعرب