تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ
عطف على إذ قالت امرأة عمران عطفا لقصة البنت على قصة أمها لما بينهما من كمال المناسبة ، وقصة زكريا وقعت فاصلة بينهما لمناسبة ، والمعنى إذ قالت الملائكة مشافهة لها بالكلام . وهذا من باب التربية الروحانية بالتكاليف الشرعية المتعلقة بحال كبرها بعد التربية الجسمانية اللائقة بحال صغرها .
يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ
اختارك أولا حيث قبلك من أمك وقبل تحريرك ولم يسبق ذلك لغيرك من الإناث ورباك في حجر زكريا ورزقك من الجنة
وَطَهَّرَكِ
من مسيس الرجال أو الكفر أو من الذنوب أو من الأدناس على عمومها ، وكانت مريم لا تحيض أي خلقك مطهرة مما للنساء وبه جزم القاضي كالكشاف ، وسيأتي في سورة مريم حاضت قبل حملها بعيسى مرتين .
وَاصْطَفاكِ
قيل هذا الاصطفاء الأخير غير الاصطفاء الأول ، فالأول هو حيث تقبلها بقبول حسن ، والأخير لولادة عيسى من غير أب ، واصطفاها أيضا بأن أسمعها كلام الملائكة مشافهة ولم يقع لغيرها ذلك ، وقيل الاصطفاء الآخر تأكيد للاصطفاء الأول والمراد بهما جميعا واحد
عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ
المراد بهن هنا قيل نساء عالم زمانهم وهو الحق ، وقيل نساء جميع العالم إلى يوم القيامة واختاره الزجاج .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 43 إلى 45 ]

يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ( 43 ) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ( 44 ) إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 45 )
يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ
أي أطيلي القيام في الصلاة أو ادعيه ودومي على طاعته بأنواع الطاعات ، وقد تقدم الكلام في معاني القنوت
وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ
أي صلي مع المصلين ، أطلق الجزء وأراد الكل وقدم السجود على الركوع لكونه أفضل أو لكون صلاتهم لا ترتيب فيها مع كون الواو لمجرد الجمع بلا ترتيب ، والظاهر أن ركوعها مع ركوعهم فيدل على مشروعية صلاة الجماعة ، وقيل المعنى أنها تفعل كفعلهم وإن لم تصل معهم ، قال الأوزاعي لما قالت الملائكة لها ذلك شفاها قامت حتى تورمت قدماها وسالت دما وقيحا ، وحكي عن مجاهد نحوه . وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث علي قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد » « 1 » وأخرج
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 45 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 69 .