تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
إنه قد مر بعد دعائه إلى وقت بشارتها أربعون سنة ، وقيل عشرون سنة فكان الاستبعاد من هذه الحيثية .
قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ
من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل ، وهو إيجاد الولد من الشيخ الكبير والمرأة العاقر .
قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً
أي علامة أعرف بها صحة الحبل فأتلقى هذه النعمة بالشكر ، والجعل هنا بمعنى التصيير أو بمعنى الخلق والإيجاد ، وإنما سأل الآية لأن العلوق أمر خفي ، فأراد أن يطلع عليه ليتلقى تلك النعمة بالشكر من حين حصولها ولا يؤخره إلى ظهورها المعتاد . ولعل هذا السؤال وقع بعد البشارة بزمان مديد إذ به يظهر ما ذكر من كون التفاوت بين سن يحيى وعيسى ستة أشهر لأن ظهور العلامة كان عقب طلبها لقوله في سورة مريم
فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ
[ مريم : 11 ] الآية قاله أبو السعود .
قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ
أي علامتك أن تحبس لسانك عن تكليم الناس ثلاثة أيام لا عن غيره من الأذكار ، وإنما جعلت آيته ذلك لتخليص المدة لذكر اللّه سبحانه شكرا على ما أنعم به عليه ، وأحسن الجواب ما اشتق من السؤال ، وقيل كان ذلك عقوبة من اللّه سبحانه له بسبب سؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إياه ، حكاه القرطبي عن أكثر المفسرين . وقيل أن لا تقدر على تكليمهم وتمنع من كلامهم قهرا بحيث لو حاولت الكلام لم تقدر عليه
ثَلاثَةَ أَيَّامٍ
بلياليها لقوله تعالى في سورة مريم :
ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا
[ مريم : 10 ]
إِلَّا رَمْزاً
أي إشارة ، والرمز في اللغة الإيماء بالشفتين أو العينين أو الحاجبين أو اليدين وأصله الحركة وهو استثناء منقطع لكون الرمز من غير جنس الكلام ورجحه القاضي . وقيل هو متصل على معنى أن الكلام ما حصل به الإفهام من لفظ أو إشارة أو كتابة وهو بعيد ، والصواب الأول وبه قال الأخفش والكسائي وقيل أراد به صوم ثلاثة أيام لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا ، والأول أولى لموافقة أهل اللغة عليه .
وَاذْكُرْ رَبَّكَ
أي في مدة الحبسة وعقد اللسان عن كلامهم شكرا لهذه النعمة
كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ
هو جمع عشية وهي آخر النهار قاله الواحدي ، وقيل هو واحد وهو المشهور وهو من حين زوال الشمس إلى أن تغيب ، ومنه سميت صلاة الظهر والعصر صلاتي العشاء ، وقيل من العصر إلى ذهاب صدر الليل وهو ضعيف
وَالْإِبْكارِ
بالكسر مصدر استعمل اسما للوقت الذي هو الكبرة وهو من طلوع الفجر إلى وقت الضحى ، وقيل المراد بالتسبيح الصلاة .