وقد رجح الثاني بأن المقام مقام مدح وهو لا يكون إلا على أمر مكتسب يقدر فاعله على خلافه لا على ما كان من أصل الخلقة وفي نفس الجبلة .
قال ابن عباس : سيدا حليما تقيا ، وقال مجاهد : السيد الكريم على اللّه ، وقال ابن المسيب : السيد الفقيه العالم ، وعن ابن عمر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « كان ذكره مثل هدبة الثوب » ، وأخرجه أحمد في الزهد من وجه آخر عنه موقوفا وهو أقوى وكان اسم أم يحيى اسيع .
وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ
أي ناشئا من الصالحين لكونه من نسل الأنبياء وأصلابهم أو كائنا من جملة الصالحين كما في قوله :
وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
[ البقرة :
130 ] قال الزجاج الصالح الذي يؤدي للّه ما افترض عليه وإلى الناس حقوقهم ، وقيل المراد بالصلاح ما فوق الصلاح الذي لا بد منه في منصب النبوة قطعا من أقاصي مراتبه وعليه مبني دعاء سليمان
وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ
[ النمل : 19 ] وفيه بعد ، لأنه لا صلاح فوق صلاح النبوة .
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 40 إلى 42 ]
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ( 40 ) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ( 41 ) وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ( 42 )
قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ
ظاهر هذا أن الخطاب منه للّه سبحانه ، وإن كان الخطاب الواصل إليه هو بواسطة الملائكة ، وذلك لمزيد التضرع والجهد في طلب الجواب عن سؤاله ، وقيل إنه أراد بالرب جبريل أي يا سيدي .
وقيل في معنى هذا الاستفهام وجهان ( أحدهما ) أنه سأل هل يرزق هذا الولد من امرأته العاقر أو من غيرها ، وقيل معناه بأي سبب أستوجب هذا وأنا وامرأتي على هذه الحال .
والحاصل أنه استبعد حدوث الولد منهما مع كون العادة قاضية بأنه لا يحدث من مثلهما لأنه كان يوم التبشير كبيرا قيل في تسعين سنة ، وقيل في عشرين ومائة سنة ، وكانت امرأته في ثمان وتسعين سنة ، ولذلك جعل الكبر كالطلب له لكونه طليعة من طلائع الموت ، فأسند الفعل إليه ، والعاقر التي لا تلد أي ذات عقر على النسب ، ولو كان على الفعل لقال عقيرة أي بها عقر يمنعها من الولد .
وإنما وقع منه هذا الاستفهام بعد دعائه بأن يهب اللّه له ذرية طيبة ومشاهدته لتلك الآية الكبرى في مريم ، استعظاما لقدرة اللّه سبحانه ، لا لمحض الاستبعاد وقيل