تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
بسكون التاء فيكون من كلام اللّه سبحانه على جهة التعظيم لما وضعته والتفخيم لشأنه والتجهيل لها حيث وقع منها التحسر والتحزن ، مع أن هذه الأنثى التي وضعتها سيجعلها اللّه وابنها آية للعالمين وعبرة للمعتبرين ويختصها بما لم يختص به أحدا . وقرأ ابن عباس وضعت بكسر التاء على أنه خطاب من اللّه سبحانه لها أي أنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب وما علم اللّه فيه من الأمور التي تتقاصر عنها الأفهام ، وتصاغر عندها العقول ، وإن له شأنا عظيما .
وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى
أي ليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وضعت ، فإن غاية ما أرادت من كونه ذكرا أن يكون نذرا خادما للكنيسة ، وأمر هذه الأنثى عظيم وشأنها فخيم ، فهي خير منه وإن لم تصلح للسدانه فإن فيها مزايا أخر لا توجد في الذكر ، وعلى هذا : الكلام على ظاهره ولا قلب فيه ، وهذه الجملة اعتراضية مبينة لما في الجملة الأولى من تعظيم الموضوع ورفع شأنه وعلو منزلته ، واللام في الذكر والأنثى للعهد . هذا على قراءة الجمهور ، وأما على قراءة أبي بكر وابن عامر فيكون قوله
وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى
من جملة كلامها ومن تمام تحسرها وتحزنها أي ليس الذكر الذي أردت أن يكون خادما ويصلح للنذر كالأنثى التي لا تصلح لذلك ، بل هو خير منها لأنه يصلح لمقصودي دونها ، وكأنها اعتذرت إلى ربها من وجودها لها على خلاف ما قصدت ، وعلى هذا في الكلام قلب ، وكانت مريم من أجمل النساء وأفضلهن في وقتها .
وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ
تعني العابدة مقصودها من هذا الإخبار بالتسمية التقرب إلى اللّه سبحانه ، وأن يكون فعلها مطابقا لمعنى اسمها فإن معنى مريم خادم الرب بلغتهم ، فهي وإن لم تكن صالحة لخدمة الكنيسة ، فذلك لا يمنع أن تكون من العابدات .
وَإِنِّي أُعِيذُها
أي أمنعها وأجيرها
بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ .
عن أبي هريرة قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول : « ما من بني آدم من مولود إلا نخسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا من نخسه إياه إلا مريم وابنها » « 1 » متفق عليه وللبخاري عنه : « كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبيه بأصبعيه حين يولد غير عيسى ابن مريم ذهب ليطعن فطعن في الحجاب » « 2 » وللحديث ألفاظ عنه وعن غيره . والرجيم المردود ، وذكر في القاموس الطرد من معاني الرجم ، وأصله المرمي بالحجارة ، طلبت الإعاذة لها ولولدها من الشيطان وإغوائه .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في الفضائل حديث 146 ، وأحمد في المسند 2 / 233 . ( 2 ) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب 11 ، وأحمد في المسند 2 / 523 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 457 | صديق الحسيني القنوجي البخاري