تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦
وفي التعبير عنهم بهذا العنوان زيادة تقبيح لهم فإن الاختلاف بعد إتيان الكتاب أقبح وقوله :
إِلَّا مِنْ بَعْدِ
زيادة أخرى فإن الاختلاف بعد العلم أزيد في القباحة ، وقوله :
بَغْياً بَيْنَهُمْ
زيادة ثالثة لأنه في حيز الحصر فيكون أزيد في القبح . والكتاب هو التوراة والإنجيل ، والمراد بهذا الخلاف الواقع بينهم هو خلافهم في كون نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم نبيا أم لا ، وقيل في دين الإسلام فقال قوم إنه حق وقال قوم إنه مخصوص بالعرب ، ونفاه آخرون مطلقا ، وقيل في التوحيد ، فثلثت النصارى ، وقالت اليهود عزير ابن اللّه . وقيل اختلافهم في نبوة عيسى ، وقيل اختلافهم في ذات بينهم حتى قالت اليهود ليست النصارى على شيء ، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء . قال أبو العالية بغيا على الدنيا وطلب ملكها وسلطانها فقتل بعضهم بعضا على الدنيا من بعد ما كانوا علماء الناس وسلط اللّه عليهم الجبابرة .
وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ
الدالة على أن الدين عند اللّه الإسلام أو بأي آية كانت ، على أن يدخل فيها ما نحن فيه دخولا أوليا
فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
يجازيه ويعاقبه على كفره بآياته ، والإظهار في قوله :
فَإِنَّ اللَّهَ
مع كونه مقام الإضمار للتهويل عليهم والتهديد لهم .
فَإِنْ حَاجُّوكَ
يا محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أي خاصموك وجادلوك اليهود والنصارى بالشبه الباطلة : والأقوال المحرفة بعد قيام الحجة عليهم في أن الدين عند اللّه هو الإسلام
فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ
أي أخلصت ذاتي للّه وانقدت له بقلبي ولساني وجميع جوارحي ، وعبر بالوجه عن سائر الذات لكونه أشرف أعضاء الإنسان وأجمعها للحواس ، وقيل الوجه هنا بمعنى القصد
وَمَنِ اتَّبَعَنِ
عطف على فاعل أسلمت وجاز للفصل ، وقال الزمخشري الواو بمعنى مع .
وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ
يعني اليهود والنصارى
وَالْأُمِّيِّينَ
أي الذين لا كتاب هلم وهم مشركو العرب ، وقال ابن عباس هم الذين لا يكتبون
أَ أَسْلَمْتُمْ
استفهام تقريري يتضمن الأمر أي أسلموا ، كذا قال ابن جرير وغيره ، وقال الزجاج أسلمتم تهديد ، والمعنى أنه قد أتاكم من البراهين ما يوجب الإسلام فهل عملتم بموجب ذلك أم لا ، تبكيتا لهم وتصغيرا لشأنهم في قلة الإنصاف وقبول الحق لأن المنصف إذا تجلت له الحجة لم يتوقف في إذعانه للحق .
فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ
دخلت قد على الماضي مبالغة في تحقق وقوع الفعل وكأنه قرب من الوقوع
اهْتَدَوْا
أي ظفروا بالهداية التي هي الحظ الأكبر وفازوا بخيري الدنيا والآخرة
وَإِنْ تَوَلَّوْا
أي أعرضوا عن قبول الحجة ولم يعملوا بموجبها
فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ
أي إنما عليك أن تبلغهم ما أنزل إليك ولست عليهم بمسيطر فلا تذهب
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 446 | صديق الحسيني القنوجي البخاري