تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
للعهد وقدم الظرف وهو عليك لما يفيده من الاختصاص
مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ
أي بينات مفصلات أحكمت عبارتها من احتمال التأويل والاشتباه ، كأنه تعالى أحكمها فمنع الخلق من التصرف فيها لظهورها ووضوح معناها .
هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ
أي أصله الذي يعول عليه في الأحكام ويعمل به في الحلال والحرام ويرد ما خالفه إليه ، وهذه الجملة صفة لما قبلها ، ولم يقل أمهات لأن الآيات كلها في تكاملها واجتماعها كالآية الواحدة ، أو لأنه واقع موقع الجمع أو لأنه بمعنى أصل الكتب والأصل يوحد .
وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ
لا تفهم معانيها يعني أن لفظه يشبه لفظ غيره ، ومعناه يخالف معناه ، كأوائل السور ، وأخر جمع أخرى وإنما لم تنصرف لأنه عدل بها عن الآخر لأن أصلها أن يكون كذلك ، وقال أبو عبيد لم تنصرف لأن واحدها لا ينصرف في معرفة ولا نكرة وأنكر ذلك المبرد . وقد اختلف العلماء في تفسير المحكمات والمتشابهات على أقوال ، فقيل إن المحكم ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره ، والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل ، ومن القائلين بهذا جابر بن عبد اللّه والشعبي وسفيان الثوري ، قالوا وذلك نحو الحروف المقطعة في أوائل السور . وقيل المحكم ما لا يحتمل إلا وجها واحدا ، والمتشابه ما يحتمل وجوها ، فإذا ردت إلى وجه واحد وأبطل الباقي صار المتشابه محكما . وقيل إن المحكم ناسخه وحرامه وحلاله وفرائضه وما يؤمن به ويعمل عليه ، والمتشابه منسوخه وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل عليه روي هذا عن ابن عباس . وقيل المحكم الناسخ والمتشابه المنسوخ ، روي هذا عن ابن مسعود وقتادة والربيع والضحاك . وقيل المحكم الذي ليس فيه تصريف ولا تحريف عما وضع له ، والمتشابه ما فيه تصريف وتحريف وتأويل ، قاله مجاهد وابن إسحاق ، قال ابن عطية وهذا أحسن الأقوال . وقيل المحكم ما كان قائما بنفسه لا يحتاج إلى أن يرجع فيه إلى غيره ، والمتشابه ما يرجع فيه إلى غيره ، قال النحاس وهذا أحسن ما قيل في المحكمات والمتشابهات . قال القرطبي ما قاله النحاس يبين ما اختاره ابن عطية وهو الجاري على وضع اللسان وذلك أن المحكم اسم مفعول من أحكم والإحكام الإتقان ، ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته ، وإتقان تركيبها ، ومتى اختل أحد الأمرين جاء التشابه والإشكال .