وهذا الخلاف بين هؤلاء هو في وجوب الإشهاد على البيع واستدل الموجبون بقوله تعالى :
وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ
[ البقرة : 282 ] ولا فرق بين هذا الأمر وبين قوله :
وَاسْتَشْهِدُوا
فيلزم القائلين بوجوب الإشهاد في البيع أن يقولوا بوجوبه في المداينة .
فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ
أي الشاهدان أي بحسب القصد والإرادة أي فإن لم يقصد إشهادهما ولو كانا موجودين
فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ
أي فليشهد رجل وامرأتان أو فرجل وامرأتان يكفون ، كائنون
مِمَّنْ تَرْضَوْنَ
دينهم وعدالتهم حال كونهم
مِنَ الشُّهَداءِ .
وفيه أن المرأتين في الشهادة برجل ، وأنها لا تجوز شهادة النساء إلا مع الرجل لا وحدهن إلا فيما لا يطلع عليه غيرهن للضرورة .
واختلفوا هل يجوز الحكم بشهادة امرأتين مع يمين المدعي كما جاز الحكم برجل مع يمين المدعي ؟ فذهب مالك والشافعي إلى أنه يجوز ذلك لأن اللّه سبحانه قد جعل المرأتين كالرجل في هذه الآية .
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا يجوز ذلك .
وهذا يرجع إلى الخلاف في الحكم بشاهد مع يمين المدعي ، والحق أنه جائز لورود الدليل عليه وهو زيادة لم يخالف ما في الكتاب العزيز فيتعين قبولها ، وقد أوضحنا ذلك في شرح بلوغ المرام ، وأوضحه الشوكاني في شرحه للمنتقى وغيره من مؤلفاته .
ومعلوم عند كل من يفهم أنه ليس في هذه الآية ما يرد به قضاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالشاهد واليمين ، ولم يدفعوا هذا إلا بقاعدة مبنية على جرف هار هي قولهم إن الزيادة على النص نسخ ، وهذه دعوى باطلة بل الزيادة على النص شريعة ثابتة جاءنا بها من جاءنا بالنص المتقدم عليها ، وقد أوضحت ذلك في كتابي حصول المأمول من علم الأصول فليرجع إليه .
وأيضا كان يلزمهم أن لا يحكموا بنكول المطلوب ، ولا بيمين الرد على الطالب ، وقد حكموا بهما ، والجواب الجواب .
أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما
قال أبو عبيد : معنى تضل تنسى أي لنقص عقلهن وضبطهن ، والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها وذكر جزء
فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا
أي الذاكرة
الْأُخْرى
أي الناسية ، قرىء فتذكر بالتخفيف ومعناها تزيدها ذكرا وقراءة الجماعة بالتشديد أي تنبهها إذا غفلت ونسيت .
وهذه الآية تعليل لاعتبار العدد في النساء أي فليشهد رجل ولتشهد امرأتان عوضا عن الرجل الآخر لأجل تذكير إحداهما الأخرى إذا ضلت ، وعلى هذا فيكون في الكلام حذف وهو سؤال سائل عن وجه اعتبار امرأتين عوضا عن الرجل الواحد ، فقيل وجهه أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى .