تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
والعلة في الحقيقة هي التذكير ، ولكن الضلال لما كان سببا له نزل منزلته وأبهم الفاعل في تضل وتذكر لأن كلا منهما يجوز عليه الوصفان ، فالمعنى إن ضلت هذه ذكرتها هذه وإن ضلت هذه ذكرتها هذه لا على التعيين أي إن ضلت إحدى المرأتين ذكرتها الأخرى . وإنما اعتبر فيهما هذا التذكير لما يلحقهما من ضعف النساء بخلاف الرجال . وقد يكون الوجه في الإبهام أن ذلك يعني الضلال والتذكير يقع بينهما متناوبا حتى ربما ضلت هذه عن وجه ، وضلت تلك عن وجه آخر ، فذكرت كل واحدة منهما صاحبتها . قال سفيان بن عيينة : معنى قوله :
فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى
تصيرها ذكرا يعني أن مجموع شهادة المرأتين مثل شهادة الرجل الواحد ، وروي نحوه عن أبي عمرو بن العلاء ، ولا شك أن هذا باطل لا يدل عليه شرع ولا لغة ولا عقل .
وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا
أي لأداء الشهادة التي قد تحملوها من قبل ، وقيل إذا ما دعوا لتحمل الشهادة ، وتسميتهم شهداء مجاز كما تقدم ، وحملها الحسن على المعنيين وظاهر هذا النهي أن الامتناع من أداء الشهادة حرام .
وَلا تَسْئَمُوا
أي لا تملوا ولا تضجروا ، والخطاب للمؤمنين أو للمتعاملين أو للشهود
أَنْ تَكْتُبُوهُ
أي الدين الذي تداينتم به وقيل الحق وقيل الشاهد وقيل الكتاب ، نهاهم اللّه سبحانه عن ذلك لأنهم ربما ملوا من كثرة المداينة أن يكتبوا . ثم بالغ في ذلك فقال :
صَغِيراً أَوْ كَبِيراً
أي لا تملوا في حال من الأحوال سواء كان الدين كثيرا أو قليلا وعلى أي حال كان الكتاب مختصرا أو مشبعا ، وقدم الصغير هنا على الكبير للاهتمام به لدفع ما عساه أن يقال إن هذا مال صغير أي قليل لا احتياج إلى كتبه
إِلى أَجَلِهِ
أي إلى محل الدين أو الحق .
ذلِكُمْ
أي المكتوب المذكور في ضمير قوله أن تكتبوه
أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ
أي أعدل وأحفظ وأصح ، من القسط بالكسر ، والقسوط الجور والعدول عن الحق
وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ
أي أعون على إقامة الشهادة وأثبت لها ، وهو مبني من أقام وكذلك أقسط مبني من فعله أي أقسط وقد صرح سيبويه بأنه قياسي أي بناء أفعل التفضيل .
وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا
أي أقرب لنفي الريب في معاملاتكم أي الشك ، وذلك أن الكتاب الذي يكتبونه يدفع ما يعرض لهم من الريب كائنا ما كان .
إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً
أي تقع أو توجد تجارة على أن كان تامة ، والتجارة تقليب الأموال وتصريفها لطلب النماء والزيادة بالأرباح ، والاستثناء منقطع أي لكن وقت تبايعكم وتجارتكم فإنه يجوز عدم الاستشهاد والكتب فيها ، وقال أبو البقاء إنه