صحبتهما ، وهذا في كلام العرب معروف ، يقال طعمت الشيء أي ذقته ، وأطعمته الماء أي أذقته .
وفيه دليل على أن الماء يقال له طعام ، والاغتراف الأخذ من الشيء باليد أو بآلة ، والغرف مثل الاغتراف ، والغرفة المرة الواحدة ، وقد قرىء بفتح الغين وضمها فالفتح للمرة والضم اسم للشيء المغترف ، وقيل بالفتح الغرفة الواحدة بالكف وبالضم الغرفة بالكفين ، وقيل هما لغتان بمعنى واحد .
فَشَرِبُوا مِنْهُ
أي من النهر
إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ
وهم المذكورون في قوله :
وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ
قال القرطبي : إن القليل لم يشرب أصلا ، قال سعيد بن جبير : القليل ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا عدة أهل بدر .
وعن البراء قال : كنا أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم نتحدث أن أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ، ولم يجاوز معه إلا بضعة عشر وثلاثمائة وعن قتادة قال : ذكر لنا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لأصحابه يوم بدر : أنتم بعدة أصحاب طالوت يوم لقي جالوت .
وعن ابن عباس قال : كانوا ثلاثمائة ألف وثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثة عشر فشربوا منه كلهم إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا عدة أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يوم بدر فردهم طالوت ومضى ثلاثمائة وثلاثة عشر ، وقرىء إلا قليل ، ولا وجه له إلا ما قيل من أنه من هجر اللفظ إلى جانب المعنى أي لم يطعمه إلا قليل وهو تعسف .
فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ
أي جاوز النهر طالوت
وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
وهم القليل الذين أطاعوه واقتصروا على الغرفة وقال القرطبي : هم الذين لم يذوقوا الماء أصلا
قالُوا
أي الذين شربوا
لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ
أي بمحاربتهم ومقاومتهم فضلا عن أن يكون لنا غلبة عليهم لما شاهدوا منهم من الكثرة والشدة ، قال القرطبي : قيل وكانوا مائة ألف رجل شاكي السلاح وأكثر المفسرين على أنهم قالوا هذا القول بعد ما عبروا النهر مع طالوت ، ورأوا جالوت وجنوده فرجعوا منهزمين قائلين هذه المقالة .
وبعض المفسرين على أن العصاة لم يعبروا النهر بل وقفوا بساحله وقالوا معتذرين عن التخلف منادين ومسمعين لطالوت والمؤمنين الذين معه لا طاقة لنا اليوم الخ ، والجند الأنصار والأعوان والجمع أجناد وجنود الواحد جندي .
فالياء للوحدة مثل روم ورومي .
و
قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ
أي يتيقنون ردا على المتخلفين
أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ
أي أنهم يستشهدون عما قريب فيلقون اللّه ، صرح به القاضي كالكشاف
كَمْ مِنْ فِئَةٍ