تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
شيء يشبه الهرة له رأس كرأس الهرة ووجه كوجه الهرة وجناحان وذنب مثل ذنب الهرة ، وعن ابن عباس : السكينة طشت من ذهب من الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء ألقى الألواح فيه . وعن وهب بن منبه أنه قال : هي روح من اللّه تتكلم إذا اختلفوا في شيء تكلم فتخبرهم ببيان ما يريدون ، وعن الحسن قال : هي شيء تسكن إليه قلوبهم ، وعن عطاء بن أبي رباح : هي ما يعرفون من الآيات التي يسكنون إليها . وأقول : هذه التفاسير المتناقضة لعلها وصلت إلى هؤلاء الأعلام من جهة اليهود أقمأهم اللّه فجاؤوا بهذه الأمور لقصد التلاعب بالمسلمين والتشكيك عليهم ، وانظر إلى جعلهم لها تارة حيوانا وتارة جمادا وتارة شيئا لا يعقل وهكذا كل منقول عن بني إسرائيل يتناقض ويشتمل على ما لا يعقل في الغالب ولا يصح أن يكون مثل هذه التفاسير المتناقضة مرويا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولا رأيا رآه قائله ، فهم أجلّ قدرا عن التفسير بالرأي وبما لا مجال للاجتهاد فيه . إذا تقرر لك هذا عرفت أن الواجب الرجوع في مثل ذلك إلى معنى السكينة لغة وهو معروف ولا حاجة إلى ركوب هذه الأمور المتعسفة المتناقضة فقد جعل اللّه عنها سعة ، ولو ثبت لنا في السكينة تفسير عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لوجب علينا المصير إليه والقول به ، ولكنه لم يثبت من وجه صحيح بل ثبت أنها تنزلت على بعض الصحابة عند تلاوته للقرآن كما في صحيح مسلم عن البراء قال : كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوط فتغشتة سحابة فجعلت تدور وتدنو وجعل فرسه ينفر منها فلما أصبح أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فذكر ذلك له فقال : « تلك السكينة نزلت للقرآن » « 1 » . وليس في هذا إلا أن هذه التي سماها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سكينة سحابة دارت على ذلك القارئ فاللّه أعلم . وعن أبي صالح قال : كان في التابوت عصا موسى وعصا هارون وثياب موسى وثياب هارون ولوحان من التوراة والمن ، وكلمة الفرج « لا إله إلا اللّه الحليم الكريم سبحان اللّه رب السماوات ورب العرش العظيم ، والحمد للّه رب العالمين » ، وقال قتادة والكلبي : السكينة الطمأنينة ففي أي مكان كان التابوت اطمأنوا وسكنوا إليه . وهذا القول أولى بالصحة ، فعلى هذا كل شيء كانوا يسكنون إليه فهو سكينة فيحمل على جميع ما قيل فيه لأن كل شيء يسكن إليه القلب فهو سكينة ، ولم يرد فيه نص صريح
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في المناقب باب 25 ، وفضائل القرآن باب 11 ، ومسلم في المسافرين حديث 240 ، 241 ، والترمذي في ثواب القرآن باب 6 ، وأحمد في المسند 4 / 281 ، 284 ، 293 ، 298 .