فذهب الجمهور إلى أن الحائض لا يحل وطؤها لزوجها حتى تتطهر بالماء ، وقال محمد بن كعب القرظي ويحيى بن بكير : إذا طهرت الحائض وتيممت حيث لا ماء حلت لزوجها وإن لم تغتسل ، وقال مجاهد وعكرمة إن انقطع الدم يحلها لزوجها ولكن تتوضأ .
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : إن انقطع دمها بعد مضي عشرة أيام جاز له أن يطأها قبل الغسل وإن كان انقطاعه قبل العشرة لم يجز حتى تغتسل أو يدخل عليها وقت صلاة ، وقد رجح ابن جرير الطبري قراءة التشديد .
والأولى أن يقال إن اللّه سبحانه جعل للحل غايتين كما تقتضيه القراءتان إحداهما انقطاع الدم والأخرى التطهر منه ، والغاية الأخرى مشتملة على زيادة على الغاية الأولى فيجب المصير إليها ، وقد دل على أن الغاية الأخرى هي المعتبرة قوله تعالى بعد ذلك :
فَإِذا تَطَهَّرْنَ
فإن ذلك يفيد أن المعتبر التطهر لا مجرد انقطاع الدم ، وقد تقرر أن القراءتين بمنزلة الآيتين فكما أنه يجب الجمع بين الآيتين المشتملة إحداهما على زيادة ما والعمل بتلك الزيادة ، كذلك يجب الجمع بين القراءتين .
فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
أي فجامعوهن ، وكنى عنه بالإتيان والمراد أنهم يجامعوهن في المأتي الذي أباحه اللّه ، وهو القبل ، وقيل من حيث بمعنى في حيث كما في قوله تعالى :
إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ
[ الجمعة : 9 ] أي في يوم الجمعة وقوله :
ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ
[ فاطر : 40 ] أي في الأرض وقيل إن المعنى من الوجه الذي أذن اللّه لكم فيه أي من غير صوم وإحرام واعتكاف ، وقيل إن المعنى من قبل الطهر لا من قبل الحيض ، وقيل من قبل الحلال لا من قبل الزنا .
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
قيل المراد التوابون من الذنوب والمتطهرون من الجنابة والأحداث ، وقيل التوابون من إتيان النساء في أدبارهن وقيل من إتيانهن في المحيض والأول أظهر .
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ
لفظ الحرث يفيد أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج الذي هو القبل خاصة إذ هو مزدرع الذرية كما أن الحرث مزدرع النبات فقد شبه ما يلقى في أرحامهم من النطف التي منها النسل بما يلقى في الأرض من البذور التي منها النبات بجامع أن كل واحد منهما مادة لما يحصل منه ، وهذه الجملة بيان للجملة الأولى أعني قوله :
فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ .
فَأْتُوا حَرْثَكُمْ
أي محل زرعكم واستنباتكم الولد وهو القبل ، وهذا على سبيل