تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
السنة الآتية هو ومن كان معه من المسلمين ، وأقصه اللّه منهم ، نزلت في ذلك هذه الآية ، وروي نحوه عن أبي العالية ومجاهد وقتادة وابن جريج ، والمعنى إذا قاتلوكم في الشهر الحرام وهتكوا حرمته قاتلوهم في الشهر الحرام مكافأة لهم ومجازاة على فعلهم ، وهذا صريح في أنه قد وقع منهم مقاتلة في عام الحديبية ، وهو كذلك فقد وقع قتال خفيف بالرمي بالسهام والحجارة .
وَالْحُرُماتُ
جمع حرمة كالظلمات جمع ظلمة ، وإنما جمع الحرمات لأنه أراد الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام ، والحرمة ما منع الشرع انتهاكه
قِصاصٌ
أي المساواة والمماثلة ، والمعنى أن كل حرمة يجزي فيها القصاص ، فمن هتك حرمة عليكم فلكم أن تهتكوا حرمة عليه قصاصا ولا تبالوا به ، قيل وهذا كان في أول الإسلام ثم نسخ بالقتال ، وقيل إنه ثابت بين أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لم ينسخ ، فيجوز لمن تعدي عليه في مال أو بدن أن يتعدى بمثل ما تعدي عليه ، وبهذا قال الشافعي وغيره . وقال آخرون إن أمور القصاص مقصورة على الحكام وهكذا الأموال لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك » « 1 » ، أخرجه الدارقطني وغيره ، وبه قال أبو حنيفة وجمهور المالكية وعطاء الخراساني ، والقول الأول أرجح ، وبه قال ابن المنذر ، واختاره ابن العربي والقرطبي ، وحكاه الداودي عن مالك ، ويؤيده إذنه صلّى اللّه عليه وسلّم لامرأة أبي سفيان أن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها ، وهو في الصحيح . ولا أصرح وأوضح من قوله تعالى في هذه الآية :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
وهذه الجملة في حكم التأكيد للجملة الأولى أعني قوله :
وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ ،
وإنما سمي المكافآت اعتداء مشاكلة كما تقدم . وعن ابن عباس في هذه الآية وفي قوله :
وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ
الآية وقوله :
وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ
الآية وقوله :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ
الآية قال هذا ونحوه نزل بمكة ، والمسلمون يومئذ قليل ليس لهم سلطان يقهر المشركين ، فكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى ، فأمر اللّه المسلمين من يتجارأ منهم أن يتجارأ بمثل ما أوتي إليه أو يصبر أو يعفو ، فلما هاجر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة ، وأعز اللّه سلطانه أمر المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانهم ، ولا يعدو بعضهم على بعض كأهل الجاهلية ، فقال :
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً
[ الإسراء : 33 ] الآية يقول ينصره السلطان حتى ينصفه على من ظلمه ، ومن انتصر لنفسه دون السلطان فهو عاص مسرف قد عمل بحمية الجاهلية ولم يرض بحكم اللّه انتهى .
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في البيوع باب 79 ، والترمذي في البيوع باب 38 ، والدارمي في البيوع باب 57 ، وأحمد في المسند 3 / 414 .