تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
الوصية المطابقة للحق التي لا حيف فيها ولا مضارة وإنه يبوء بالإثم ، وليس على الموصي من ذلك شيء فقد تخلص مما كان عليه بالوصية به . قال القرطبي : ولا خلاف أنه إذا أوصى بما لا يجوز مثل أن يوصي بخمر أو خنزير أو شيء من المعاصي أنه يجوز تبديله ، ولا يجوز إمضاؤه كما لا يجوز إمضاء ما زاد على الثلث قاله أبو عمرو ، انتهى . والمبدلون إما الأوصياء بأن ينكروا الوصية أو يغيروها إما في الكتابة أو في قسمة الحقوق ، أو الشهود بأن يكتموا الشهادة أو يغيروها ، والمعنى فمن بدل قول الميت أو ما أوصى به ، وقيل الضمير في
بَدَّلَهُ
يعود على الوصية لأنها بمعنى الإيصاء وقيل على نفس الإيصاء ، وقيل على الأمر والفرض الذي أمر به اللّه وفرضه أو في المكتب أو الحق أو المعروف ، فهذه ستة أقوال أولاها ما ذكرنا . ولكن هنا وقفة من حيث إن الكلام السابق إنما هو في الوصية المنسوخة التي هي للوالدين والأقربين ، وقوله :
فَمَنْ بَدَّلَهُ
إلى آخر الآية إنما هو في الوصية التي استقر عليها الشرع ويعمل بها إلى الآن ، وعلى هذا فكيف يعود الضمير من المحكمة على المنسوخة . قال سليمان الجمل : فليتأمل فإني لم أر من نبه على هذا انتهى . قلت إنما يرد هذا على قول من قال بنسخ الوصية المذكورة ، وقد تقدم أن جماعة من أهل العلم ذهبت إلى أنها محكمة فلا تأمل ولا تنبيه واللّه أعلم .
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
لما أوصى به الموصي ولقوله :
عَلِيمٌ
بتبديل المبدل وفعل الوصي فيجازي عليه الأول بالخير والثاني بالشر .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 182 ]

فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 182 )
فَمَنْ خافَ
أي علم وهو مجاز والعلاقة بينهما إن الإنسان لا يخاف شيئا حتى يعلم أنه مما يخاف منه ، فهو من باب التعبير عن السبب بالمسبب ، ومنه قوله تعالى :
إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ
[ البقرة : 229 ] أي يعلما
مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً
الجنف المجاوزة ، من جنف يجنف إذا جاوز قاله النحاس ، وقيل الجنف الميل ، قاله في الصحاح والكشاف ، والإثم الظلم ، وقيل الجنف الخطأ في الوصية والإثم العمد
فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ
أي أصلح ما وقع بين الورثة من الشقاق والاضطراب بسبب الوصية بإبطال ما فيه ضرر ومخالفة لما شرعه اللّه ، وإثبات ما هو حق كالوصية في قرابة لغير وارث ، والضمير في
بَيْنَهُمْ
راجع إلى الورثة وإن لم يتقدم لهم ذكر لأنه قد عرف أنهم المرادون من السياق ، وقيل راجع إلى الموصى لهم وهم الأبوان والقرابة
فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ
أي لا حرج عليه في الصلح وإن كان فيه تبدل لأنه خير بخلاف الأول فإنه ضير
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
لمن أصلح وصيته بعد الجنف والميل .