تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
على أنفسهم واستدامة لحياتهم ، وقيل إن الحياة سلامة من القصاص في الآخرة فإنه إذا اقتص في الدنيا لم يقتص عنه في الآخرة والأول أولى . وقال الخازن : هذا الحكم غير مختص بالقصاص الذي هو القتل ، بل يدخل فيه جميع الجروح والشجاج وغير ذلك ، وقرأ أبو الجوزاء ولكم في القصص حياة أي فيما قص عليكم من حكم القتل حياة أو في كتاب اللّه أي نجاة وقيل أراد حياة القلوب ، وقيل هو مصدر بمعنى القصاص . والكل ضعيف والقراءة به منكرة
يا أُولِي الْأَلْبابِ
أي ذوي العقول الكاملة ، جعل هذا الخطاب موجها إلى أولي الألباب وناداهم للتأمل في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحظ النفوس لأنهم هم الذين ينظرون في العواقب ، ويتحامون ما فيه الضرر الآجل ، وأما من كان مصابا بالحمق والطيش والخفة فإنه لا ينظر عند سورة غضبه وغليان مراجل طيشه إلى عاقبة ، ولا يفكر في أمر مستقبل ، والألباب جمع لب ، وهو العقل الخالي من الهوى ، سمي بذلك لأحد وجهين إما لبنائه من لب بالمكان أقام به وإما من اللباب وهو الخالص . ثم علل سبحانه هذا الحكم الذي شرعه لعباده بقوله :
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
أي تعملون عمل أهل التقوى ، وتتحامون القتل بالمحافظة على القصاص والحكم به والاذعان له ، فيكون ذلك سببا للتقوى .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 180 ]

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 180 )
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ
قد تقدم معنى كتب قريبا ، وحضور الموت حضور أسبابه وأماراته وظهور علاماته من العلل والأمراض المخوفة ، وليس المراد منه معاينة الموت ، لأنه في ذلك الوقت يعجز عن الإيصاء ، وإنما لم يؤنث الفعل المسند إلى الوصية وهو كتب لوجود الفاصل بينهما ، وقيل لأنها بمعنى الإيصاء ، وقد روي جواز إسناد ما لا تأنيث فيه إلى المؤنث مع عدم الفصل ، وقد حكى سيبويه : أقام امرأة وهو خلاف ما أطبق عليه أئمة العربية .
إِنْ تَرَكَ خَيْراً
شرط سبحانه ما كتبه من الوصية بأن يترك الموصي خيرا أي مالا . قال الزهري : هو يطلق على القليل والكثير ، فتجب الوصية في الكل وقيل لا يطلق إلّا على المال الكثير ، وهو قول الأكثرين . واختلف أهل العلم في مقدار الخير فقيل ما زاد على سبعمائة دينار ، وقيل ألف دينار ، وقيل ما زاد على خمسمائة دينار ، وقيل ستون دينارا فما فوقها . وقيل من خمسمائة إلى ألف ، وقيل إنه المال الكثير الفاضل عن العيال ، والخير هنا المال ، ويقع في القرآن على وجوه ونبه بتسميته خيرا على أن الوصية تستحب في مال طيب .