تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
أوجب عليهم القصاص ولا عفو ، وكما ضيق على النصارى فإنه أوجب عليهم العفو ولا دية ، وفيه تضييق على كل من الوارث والقاتل ، فهذا تخفيف مما كتب على من كان قبلكم .
فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ
أي بعد التخفيف نحو أن يأخذ الدية ثم يقتل القاتل أو يعفو ثم يستقص . وقد اختلف أهل العلم فيمن قتل القاتل بعد أخذ الدية فقال جماعة منهم مالك والشافعي أنه كمن قتل ابتداء إن شاء الولي قتله وإن شاء عفا عنه ، وقال قتادة وعكرمة والسدي وغيرهم : عذابه أن يقتل البتة ولا يمكن الحاكم الولي من العفو ، وقال الحسن : عذابه أن يرد الدية فقط ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة ، وقال عمر بن عبد العزيز : أمره إلى الإمام يصنع فيه ما رأى . وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وابن أبي حاتم والبيهقي عن أبي شريح الخزاعي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من أصيب بقتل أو خبل فإنه يختار إحدى ثلاث إما أن يقتص وإما أن يعفو ، وإما أن يأخذ الدية فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه ، ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدا فيها أبدا » « 1 » وعن قتادة قال ذكر لنا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لا أعافي رجلا قتل بعد أخذ الدية » « 2 » أخرجه ابن جرير وابن المنذر . وأخرج سمويه في فوائده عن سمرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فذكر مثله ، والعذاب الأليم قيل هو عذاب الآخرة وقيل هو أن يقتل قصاصا ولا تقبل منه دية ولا يعفى عنه ، والأول أظهر وأولى ، ويدل له الحديث المتقدم .
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
خطاب لمريدي القتل ظلما ، وقال أبو السعود : بيان لمحاسن الحكم المذكور على وجه بديع لا تنال غايته حيث جعل الشيء وهو القصاص محلا لضده وهو الحياة ، ونكر الحياة ليدل على أن في هذا الجنس نوعا من الحياة عظيما لا يبلغه الوصف ، وذلك لأنهم كانوا يقتلون الجماعة بالواحد فتنشر الفتنة بينهم ، ففي شرع القصاص سلامة من هذا كله ، والمعنى ولكم في هذا الحكم الذي شرعه اللّه بقاء وحياة لأن الرجل إذا علم أنه يقتل قصاصا إذا قتل آخر كف عن القتل وانزجر عن التسرع إليه ، والوقوع فيه ، فيكون ذلك بمنزلة الحياة للنفوس الإنسانية . وهذا نوع من البلاغة بليغ ، وجنس من الفصاحة رفيع ، فإنه جعل القصاص الذي هو موت ، حياة باعتبار ما يؤول إليه من ارتداع الناس عن قتل بعضهم بعضا إبقاء
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود في الديات باب 3 ، وابن ماجة في الديات باب 3 ، والدارمي في الديات باب 1 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الديات باب 5 ، وأحمد في المسند 2 / 262 .