تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 247

مساهمون:

ص٢٤٧
عفو ، ووجوب العفو بلا قتل ، والقتل تارة وأخذ الدية تارة ؛ والقصاص فرض على القاتل للولي لا على الولي ؛ والقصاص المساواة والمماثلة في القتل والدية والجراح فيقتل القاتل بمثل الذي قتل به ، وهو قول مالك والشافعي ؛ وقيل يقتل بالسيف وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد ؛ والكلام في فروع هذه المسألة يطول ؛ « وفي » في القتلى للسبب كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أن امرأة دخلت النار في هرة » « 1 » أي بسببها وفعلى يطرد جمعا لفعيل بمعنى مفعول .
الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى
وقد استدل بهذه الآية القائلون بأن الحر لا يقتل بالعبد وهم الجمهور ، وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري وابن أبي ليلى وداود إلى أنه يقتل به إذا كان غير سيده ، وأما سيده فلا يقتل به إجماعا إلا ما روي عن النخعي ، فليس مذهب أبي حنيفة ومن معه على الإطلاق ذكره الشوكاني في شرح المنتقى ، قال القرطبي : وروي ذلك عن علي وابن مسعود وبه قال سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وقتادة والحكم بن عتبة ، واستدلوا بقوله تعالى :
وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
[ المائدة : 45 ] وأجاب الأولون عن هذا الاستدلال بأن قوله الحر بالحر والعبد بالعبد مفسر لقوله تعالى :
النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
وقالوا أيضا إن قوله :
وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها
يفيد أن ذلك حكاية عما شرعه اللّه لبني إسرائيل في التوراة . ومن جملة ما استدل به الآخرون قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « المسلمون تتكافأ دماؤهم » « 2 » ويجاب عنه بأنه مجمل ، والآية مبينة ولكنه يقال إن قوله تعالى :
الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ
إنما أفاد بمنطوقه أن الحر يقتل بالحر والعبد يقتل بالعبد ، وليس فيه ما يدل على أن الحر لا يقتل بالعبد إلا باعتبار المفهوم ، فمن أخذ بمثل هذا المفهوم لزمه القول به هنا ، ومن لم يأخذ بمثل هذا المفهوم لم يلزمه القول به هنا ، والبحث في هذا محرر في علم الأصول . وقد استدل بهذه الآية القائلون بأن المسلم يقتل بالكافر ، وهم الكوفيون والثوري لأن الحر يتناول الكافر كما يتناول المسلم ، وكذا العبد والأنثى يتناولان الكافر كما يتناولان المسلم ، واستدلوا أيضا بقوله تعالى :
أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ
لأن النفس تصدق على النفس الكافرة كما تصدق على النفس المسلمة ، وذهب الجمهور إلى أنه لا يقتل
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في بدء الخلق باب 16 ، ومسلم في التوبة حديث 25 ، وابن ماجة في الزهد باب 30 ، والدارمي في الرقاق باب 93 ، وأحمد في المسند 2 / 261 ، 269 ، 457 ، 467 ، 501 ، 507 . ( 2 ) روي الحديث بلفظ : « المؤمنون تتكافأ دماؤهم » ، أخرجه أبو داود في الجهاد باب 147 ، والديات باب 11 ، والنسائي في القسامة باب 10 ، 13 ، وابن ماجة في الديات باب 31 ، وأحمد في المسند 1 / 119 ، 122 ، 2 / 180 ، 192 ، 211 ، 215 .
فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 247 | صديق الحسيني القنوجي البخاري