أهوية أهل الملل ، لأن المبتدعة ينتمون إلى الإسلام ويظهرون للناس أنهم ينصرون الدين ويتبعون أحسنه ، وهم على العكس من ذلك ، والضد لما هنالك ، ولا يزالون ينقلون من يميل إلى أهويتهم من بدعة إلى بدعة ، ويدفعونه من شنعة إلى شنعة حتى يسلخوه من الدين ويخرجوه منه ، وهو يظن أنه منه في الصميم ، وأن الصراط الذي هو عليه هو الصراط المستقيم .
هذا إن كان في عداد المقصرين ومن جملة الجاهلين ، وإن كان من أهل العلم والفهم المميزين بين الحق والباطل ، كان في اتباعه لأهويتهم ممن أضله اللّه على علم ، وختم على قبله وصار نقمة على عباده ومصيبة صبها اللّه على المقصرين لأنهم يعتقدون أنه في علمه وفهمه لا يميل إلا إلى الحق ، ولا يتبع إلا الصواب ، فيضلون بضلاله فيكون عليه إثمة وإثم من اقتدى به إلى يوم القيامة نسأل اللّه اللطف والسلامة والهداية والكرامة .
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 146 إلى 148 ]
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 146 ) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 147 ) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 148 )
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ
يعني علماء اليهود والنصارى ، وقيل أراد به مؤمني أهل الكتاب كعبد اللّه بن سلام وأصحابه
يَعْرِفُونَهُ
الضمير لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وإن لم يسبق له ذكر لدلالة الكلام عليه وعدم اللبس ، ذكره القاضي ويقال عليه بل سبق ذكره بلفظ الرسول مرتين أي يعرفون نبوته ، روي ذلك عن مجاهد وقتادة وطائفة من أهل العلم ، وقيل يعرفون تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة بالطريق التي قدمنا ذكرها ، وبه قال جماعة من المفسرين ، ورجح صاحب الكشاف الأول ، وعندي أن الراجح الآخر كما يدل عليه السياق الذي سيقت له هذه الآية .
كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ
أنهم منهم لا يشكون فيه ، ولا يشتبه عليهم كما لا تشتبه عليهم أبناؤهم من أبناء غيرهم ، يعني يعرفون أن القبلة التي صرفتك إليها هي قبلة إبراهيم وقبلة الأنبياء قبلك ، كما يعرفون أولادهم ، قال ابن سلام : لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ومعرفتي بمحمد أشد ، وخص الأبناء دون النبات أو الأولاد لأن الذكور أعرف وأشهر ، وهم لصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق ، والالتفات عن الخطاب إلى الغيبة للإيذان بأن المراد ليس معرفتهم له صلّى اللّه عليه وسلّم من حيث ذاته ونسبه بل من حيث كونه مسطورا في الكتاب منعوتا بالنعوت التي من جملتها أنه صلّى اللّه عليه وسلّم يصلي إلى القبلتين كأنه قيل : الذين آتيناهم الكتاب يعرفون من وصفناه فيه ، وبهذا تظهر جزالة النظم الكريم ذكره الكرخي .