تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
والإخبار في قوله :
وَما أَنْتَ بِتابِعٍ
يمكن أن يكون بمعنى النهي من اللّه سبحانه لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أي لا تتبع يا محمد
قِبْلَتَهُمْ
ويمكن أن يكون على ظاهره دفعا لأطماع أهل الكتاب ، وقطعا لما يرجونه من رجوعه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى القبلة التي كان عليها ، وهذه الجملة أبلغ من النفي من قوله :
ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ
من وجوه منها كونها اسمية تكرر فيها الاسم مؤكدا نفيها بالباء
وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ
فيه إخبار بأن اليهود والنصارى مع حرصهم على متابعة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لما عندهم ، هم مختلفون في دينهم حتى في هذا الحكم الخاص الذي قصه اللّه سبحانه على رسوله ، فإن بعضهم لا يتابع الآخر في استقبال قبلته ، قال في الكشاف : وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس ، والنصارى تستقبل مطلع الشمس ، انتهى . قال الشهاب : إن كون قبلة النصارى مطلع الشمس صرحوا به لكن وقع في بعض كتب القصص أن قبلة عيسى كانت بيت المقدس . وقال الحافظ ابن القيم في بدائع الفوائد : قبلة أهل الكتاب ليست بوحي وتوقيف من اللّه بل بمشورة واجتهاد منهم ، أما النصارى فلا ريب أن اللّه لم يأمرهم في الإنجيل ولا في غيره باستقبال المشرق ، وهم يقرون بأن قبلة المسيح قبلة بني إسرائيل وهي الصخرة ، وإنما وضع لهم أشياخهم هذه القبلة فهم مع اليهود متفقون على أن اللّه لم يشرع استقبال بيت المقدس على رسوله أبدا ، والمسلمون شاهدون عليهم بذلك الأمر ، وأما اليهود فليس في التوراة الأمر باستقبال الصخرة البتة ، وإنما كانوا ينصبون التابوت ويصلون إليه من حيث خرجوا فإذا قدموا نصبوه على الصخرة وصلوا عليه ، فلما رفع صلوا إلى موضعه وهو الصخرة .
وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ
يعني مرادهم ورضاهم لو رجعت إلى قبلتهم
مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ
في أمر القبلة أو بأنهم مقيمون على باطل وعناد
إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ
فيه من التهديد العظيم والزجر البليغ ما تقشعر له الجلود ، وترجف منه الأفئدة ، وإذا كان الميل إلى أهوية المخالفين لهذه الشريعة الغراء والملة الشريفة من أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الذي هو سيد ولد آدم يوجب الظلم عليه وحاشاه أن يكون من الظالمين . فما ظنك بغيره من أمته ، وقد صان اللّه هذه الفرقة الإسلامية بعد ثبوت قدم الإسلام وارتفاع مناره عن أن يميلوا إلى شيء من هوى أهل الكتاب ، ولم تبق إلا دسيسة شيطانية ووسيلة طاغوتية ، وهي ميل بعض من تحمل حجج اللّه إلى هوى بعض طوائف المبتدعة لما يرجوه من الحطام العاجل من أيديهم أو الجاه لديهم ، إن كان لهم في الناس دولة أو كانوا من ذوي الصولة ، وهذا الميل ليس بدون ذلك الميل بل اتباع أهوية المبتدعة يشبه اتباع أهوية أهل الكتاب كما يشبه الماء الماء ، والبيضة البيضة ، والتمرة التمرة . وقد تكون مفسدة اتباع أهوية المبتدعة أشد على هذه الملة من مفسدة اتباع