الكشاف : إن الشيء هو الذي يصح ويعتد به قال : وهذه مبالغة عظيمة لأن المحال والمعدوم يقع عليهما اسم الشيء وإذا نفي إطلاق اسم الشيء عليه فقد بولغ في ترك الاعتداد به إلى ما ليس بعده ، وهكذا قولهم أقل من لا شيء .
وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ
أي التوراة والإنجيل ، وليس فيهما هذا الاختلاف فكان حق كل منهم أن يعترف بحقية دين صاحبه حسبما ينطق به كتابه ، فإن كتب اللّه تعالى متصادقة وقيل المراد جنس الكتاب وفي هذا أعظم توبيخ وأشد تقريع لأن الوقوع في الدعاوى الباطلة والتكلم بما ليس عليه برهان ، هو وإن كان قبيحا على الإطلاق لكنه من أهل العلم والدراسة لكتب اللّه أشد قبحا وأفظع جرما وأعظم ذنبا .
كَذلِكَ
أي مثل ذلك الذي سمعت به بعينه لا قولا مغايرا له .
قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ
المراد بهم كفار العرب الذين لا كتاب لهم قالوا مثل مقالة اليهود اقتداء بهم لأنهم جهلة لا يقدرون على غير التقليد لمن يعتقدون إنه من أهل العلم ، وقيل المراد بهم طائفة من اليهود والنصارى وهم الذين لا علم عندهم ، وقال عطاء هم أمم كانت قبل اليهود والنصارى مثل قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب قالوا في أنبيائهم أنهم ليسوا على شيء .
فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ
أي بين المحق والمبطل .
فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
من أمر الدين ، أخبر سبحانه بأن هو المتولي لفصل هذه الخصومة التي وقع فيها الخلاف عند الرجوع إليه فيعذب من يستحق التعذيب وينجي من يستحق النجاة .
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 114 ]
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 114 )
قال الرازي : واعلم أن هذه الواقعة بعينها قد وقعت في أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فإن كل طائفة تكفر الأخرى مع اتفاقهم على تلاوة القرآن انتهى .
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ
هذا الاستفهام فيه أبلغ دلالة على أن هذا الظلم غير متناه وأنه بمنزلة لا ينبغي أن يلحقه سائر أنواع الظلم أي لا أحد أظلم ممن يمنع مساجد اللّه أي من يأتي إليها للصلاة والتلاوة والذكر وتعليمه
وَسَعى فِي خَرابِها
قال أبو البقاء : الخراب اسم مصدر بمعنى التخريب ، وقال غيره :
هو مصدر خرب المكان يخرب خرابا وهو هنا السعي في هدمها ورفع بنيانها ، ويجوز أن يراد بالخراب تعطيلها عن الطاعات التي وضعت لها فيكون أعم من قوله :
أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ
فيشمل جميع ما يمنع من الأمور التي بنيت لها المساجد لتعلم العلم وتعليمه