تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
صلّى اللّه عليه وسلّم عن البيت يوم الحديبية ، قال أبو صالح : ليس للمشركين أن يدخلوا المسجد إلا خائفين ، عن قتادة قال : يعطون
الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ
[ التوبة : 29 ] ، وقال :
مَساجِدَ اللَّهِ
وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد وهو بيت المقدس أو المسجد الحرام لأن الحكم عام ، وإن كان السبب خاصا . ورجح الطبري القول الأول ، وقال : إن النصارى هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس بدليل أن مشركي العرب لم يسعوا في خراب المسجد الحرام وإن كانوا قد منعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في بعض الأوقات من الصلاة فيه . وأيضا الآية التي قبل هذه والتي بعدها في ذم أهل الكتاب ، ولم يجر لمشركي مكة ذكر ، ولا للمسجد الحرام ، فتعين أن يكون المراد بهذه بيت المقدس ، ورجح غيره القول الثاني بدليل أن النصارى يعظمون بيت المقدس أكثر من اليهود ، فكيف يسعون في خرابه وهو موضع حجهم . وقال الرازي : وعندي فيه وجه خامس وهو أقرب إلى رعاية النظم وهو أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فكانوا يمنعون الناس عن الصلاة إلى الكعبة ، ولعلهم سعوا أيضا في تخريب الكعبة وفي تخريب مسجد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذا التأويل أولى مما قبله انتهى ، وفي أحكام القرآن أنه كل مسجد ، قال : وهو الصحيح لأن اللفظ عام ورد بصيغة الجمع فتخصيصه ببعض المساجد أو ببعض الأزمنة محال . قلت وهذا هو الصواب فإن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ويدخل فيه السبب الخاص دخولا أوليا .

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 115 إلى 116 ]

وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 115 ) وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ( 116 )
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
المشرق موضع الشروق والمغرب موضع الغروب ، وهما اسما مكان وقيل اسما مصدر أي الإشراق والإغراب ، أي هما ملك للّه وما بينهما من الجهات والمخلوقات فيشمل الأرض كلها أي جهة تستقبلونها فهناك وجه اللّه أي المكان الذي يرتضي لكم استقباله ، وذلك يكون عند التباس جهة القبلة التي أمرنا بالتوجه إليها بقوله سبحانه :
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
[ البقرة : 144 ] قال في الكشاف : والمعنى أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس فقد جعلت لكم الأرض مسجدا فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها وافعلوا التولية فيها فإن التولية ممكنة في كل مكان لا يختص أماكنها في مسجد دون مسجد ، ولا في مكان دون مكان ، انتهى .