لقولهم في الآية الأخرى
وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى
[ البقرة : 111 ] وهو مؤكد له لأن « دون » تستعمل للاختصاص يقال هذا لي دونك أو من دونك أي لا حق لك فيه ، وقد تأتي في غير هذا للانتقاص في المنزلة أو المكان أو المقدار
فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ
أي فاطلبوه واسألوه ، وإنما أمرهم بتمني الموت لأن من اعتقد أنه من أهل الجنة كان الموت أحب إليه من الحياة إذ لا سبيل إلى دخولها إلا بعد الموت ، ولما كان ذلك منهم مجرد دعوى أحجموا
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
في قولكم ودعواكم ولهذا قال سبحانه .
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 95 إلى 96 ]
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 95 ) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 96 )
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً
هو ظرف زمان يصدق بالماضي والمستقبل تقول ما فعلت أبدا ذكره السمين ، وقال هنا « لن » وفي الجمعة « لا » لأن لن أبلغ في النفي من لا ودعواهم هنا بالغة قاطعة فناسب ذكر لن فيها ، ودعواهم في الجمعة قاصرة مردودة وهي زعمهم أنهم أولياء اللّه فناسب ذكر « لا » فيها
بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
أي بما قدمته من الذنوب التي يكون فاعلها غير آمن من العذاب بل غير طامع في دخول الجنة فضلا عن كونها خالصة له مختصة به ، وإنما أضاف العمل إلى اليد لأن أكثر جنايات الإنسان تكون خالصة له مختصة به ، وإنما أضاف العمل إلى اليد لأن أكثر جنايات الإنسان تكون من يده .
وقيل إن اللّه سبحانه صرفهم عن التمني ليجعل ذلك آية لنبيه ، والمراد بالتمني هنا هو التلفظ بما يدل عليه لا مجرد خطوة بالقلب وميل النفس إليه ، فإن ذلك لا يراد في مقام المحاجة ومواطن الخصومة ومواقف التحدي ، وفي تركهم للتمني أو صرفهم عنه معجزة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فإنهم قد كانوا يسلكون من التعجرف والتجري على اللّه وعلى أنبيائه بالدعاوى الباطلة في غير موطن ما قد حكاه عنهم التنزيل ، فلم يتركوا عادتهم هنا إلا لما قد تقرر عندهم من أنهم إذا فعلوا ذلك التمني نزل بهم الموت إما لأمر قد علموه أو للصرفة من اللّه عز وجل ، وقد يقال قد ثبت النهي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في شريعته صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويجاب بأن المراد هنا إلزامهم الحجة وإقامة البرهان على بطلان دعواهم .
عن ابن عباس قال : قال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن كنتم في مقالتكم صادقين فقولوا اللهم أمتنا ، فوالذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلا غص بريقه فمات مكانه » ، وعنه « لو أن اليهود تمنوا لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار »
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
فيه تخويف وتهديد لهم ، وإنما خصهم بالظلم لأنه أعم من الفكر لأن كل كافر ظالم وليس كل ظالم كافرا فلهذا كان أعم وكانوا أولى به .