وَلَتَجِدَنَّهُمْ
اللام للقسم والنون للتأكيد أي واللّه لتجدنهم يا محمد ، وهذا أبلغ من قوله :
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً
[ البقرة : 95 ]
أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ
زيادة على عدم تمني الموت ، والحرص أشد الطلب ، وتنكير « حياة » للتحقير أي أنهم أحرص الناس على حقير حياة وأقل لبث في الدنيا فكيف بحياة كثيرة ولبث متطاول ، وقال في الكشاف أنه أراد بالتنكير حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة ، وتبعه في ذلك الرازي والخازن في تفسيريهما
وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ،
ووجه ذكرهم بعد ذكر الناس مع كونهم داخلين فيهم للدلالة مزيد حرص المشركين من العرب ومن شابههم من غيرهم ، فمن كان أحرص منهم وهم اليهود كان بالغا في الحرص إلى غاية لا يقادر قدرها .
وإنما بلغوا في الحرص إلى هذا الحد الفاضل على حرص المشركين لأنهم يعلمون بما يحل بهم من العذاب في الآخرة بخلاف المشركين من العرب ونحوهم فإنهم لا يقرون بذلك ، فكان حرصهم على الحياة دون حرص اليهود ، والأول وإن كان فيه خروج من الكلام في اليهود إلى غيرهم من مشركي العرب لكنه أرجح لعدم استلزامه للتكلف ولا ضير في استطراد ذكر حرص المشركين بعد ذكر حرص اليهود ، وقال الرازي إن الثاني أرجح ليكون ذلك أبلغ في إبطال دعواهم وفي إظهار كذبهم في قولهم إن الدار الآخرة لنا لا لغيرنا انتهى ، ويجاب عنه بأن هذا الذي جعله مرجحا قد أفاده قوله تعالى :
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ
ولا يستلزم استئناف الكلام في المشركين أن لا يكونوا من جملة الناس .
يَوَدُّ أَحَدُهُمْ
بيان لزيادة حرصهم على طريقة الاستئناف وهم المجوس أي يتمنى أحدهم
لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ
أي تعمير ألف سنة ، وإنما خص الألف بالذكر لأن العرب كانت تذكر ذلك عند إرادة المبالغة ، ولأنها نهاية العقود ولأنها تحية المجوس فيما بينهم يقولون « زي هزار سال » أي عش ألف سنة أو ألف نيروز أو ألف مهرجان ، فهذه تحيتهم ، وهذا كناية عن الكثرة فليس المراد خصوص هذا العدد ، والمعنى أن اليهود أحرص من المجوس الذين يقولون ذلك .
وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ
أي بمباعده قيل هو راجع إلى أحدهم كما جرى عليه الجلال ، وعلى هذا يكون قوله :
أَنْ يُعَمَّرَ
فاعلا لمزحزحه وقيل هو لما دل عليه يعمر من مصدره أي وما التعمير بمزحزحه ويكون قوله :
أَنْ يُعَمَّرَ
بدلا منه ، وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت هو عماد ، وقيل هو ضمير الشأن وإليه نحا الفارسي تبعا للكوفيين ، وقيل : « ما » تميمة وهو مبتدأ خبره بمزحزحه على زيادة الباء وقيل ما هي الحجازية والضمير اسمها وما بعده خبرها والأول أرجح ، وكذلك الثاني والثالث ضعيف جدا لأن العماد لا يكون إلا بين شيئين ، ولهذا يسمونه ضمير الفصل والرابع فيه أن ضمير الشأن يفسر بجملة سالمة عن حرف جر كما حكاه ابن عطية عن النحاة ،