تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح البيان في مقاصد القرآن — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
كثيرا فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره ، فرد اللّه عليهم ما قالوه فقال :
بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ
أي طردهم وأبعده من كل خير ، وأصل اللعن في كلام العرب الطرد والابعاد
فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ
وصف إيمانهم بالقلة لأنهم الذين قص اللّه علينا من عنادهم وعجرفتهم وشدة لجاجهم وبعدهم من إجابة الرسل ما قصه ، ومن جملة ذلك أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض . وقال معمر : المعنى لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره ، قال الواقدي معناه لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا ، قال الكسائي تقول العرب مررنا بأرض قلما تنبت الكراث والبصل أي لا تنبت شيئا ، وأخرج أحمد بسند جيد عن أبي سعيد قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم القلوب أربعة : قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر ، وقلب أغلف مربوط على غلافه ، وقلب منكوس ، وقلب مصفح ، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره ، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر ، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم أنكر ، وأما القلب المصفح فقلب فيه أيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح ، فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه » « 1 » وقال قتادة لا يؤمن منهم إلا قليل لأن من آمن من المشركين كان أكثر منهم ، وقيل فزمانا قليلا يؤمنون فهو على حد قوله :
آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ
[ آل عمران : 72 ] .
وَلَمَّا جاءَهُمْ
أي اليهود
كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
هو القرآن
مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ
من التوراة والإنجيل أنه يخبرهم بما فيهما ويصدقه ولا يخالفه
وَكانُوا مِنْ قَبْلُ
مبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم
يَسْتَفْتِحُونَ
أي يستنصرون به ، والاستفتاح الاستنصار أي كانوا من قبل يطلبون من اللّه النصر على أعدائهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي يجدون صفته عندهم في التوراة ، وقيل الاستفتاح هنا بمعنى الفتح أي يخبرونهم بأنه سيبعث ويعرفونهم بذلك
عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا
يعني مشركي العرب ، وذلك أنهم كانوا إذا أحزنهم أمر ودهمهم عدو يقولون اللهم أنصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة فكانوا ينصرون وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم مع قتل عاد وإرم .
فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا
يعني محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم وعرفوا أنه نبي من غير بني إسرائيل
كَفَرُوا بِهِ
أي جحدوه وأنكروه بغيا وحسدا
فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ
أي عليهم وضعا للظاهر موضع المضمر للدلالة على أن اللعنة لحقتهم لكفرهم واستعلت عليهم وشملتهم ، واللام للعهد أو للجنس ودخلوا فيه دخولا أوليا .
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 3 / 17 .