وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ
يعني النار لأنهم جاؤوا بذنب شديد ومعصية فظيعة ، وهذا إخبار من اللّه سبحانه بأن اليهود لا يزالون في عذاب موفر لازم لهم بالجزية والصغار والذلة والمهانة
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
فيه وعيد وتهديد عظيم .
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 86 إلى 87 ]
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 86 ) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ( 87 )
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ
بأن آثروها عليها لأن الجمع بين لذات الدنيا والآخرة غير ممكن ، فمن اشتغل بتحصيل لذات الدنيا فاتته لذات الآخرة ، قال قتادة استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة
فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ
أبدا ما داموا
وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
أي لا يمنعون من عذاب اللّه ، لا يوجد لهم ناصر يدفع عنهم ولا يثبت لهم نصر في أنفسهم على عدوهم .
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ
أي أعطيناه التوراة جملة واحدة مفصلة محكمة ، شروع في بيان بعض آخر من جناياتهم وتصديره بالجملة القسمية ، لإظهار كمال الاعتناء به
وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ
أي أتبعنا ، والتقفية الاتباع والإرداف وهو أن يقفو إثر الآخر مأخوذ من القفا وهو مؤخر العتق ، والمراد أن اللّه سبحانه أرسل على إثره رسلا جعلهم تابعين له وكانت الرسل من بعد موسى إلى زمن عيسى متواترة يظهر بعضهم في إثر بعض والشريعة واحدة ، وهم أنبياء بني إسرائيل المبعوثون من بعده كالشموئيل بن بابل وإلياس ومنشائل واليسع ويونس وزكريا ويحيى وشعياء وحزقيل وداود وسليمان وأرمياء وهو الخضر وعيسى ابن مريم ، فهؤلاء الرسل بعثهم اللّه وانتخبهم من أمة موسى وأخذ عليهم ميثاقا غليظا أن يؤدوا إلى أمتهم صفة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وصفة أمته ، وكانوا يحكمون بشريعة موسى إلى أن بعث اللّه عيسى ، فجاءهم بشريعة جديدة وغير بعض أحكام التوراة فذلك قوله :
وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ
أي الدلالات الواضحات ، وهي الأدلة التي ذكرها اللّه في آل عمران والمائدة ، وهي الآيات التي وضع على يديه من أحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وخلقه من الطين كهيئة الطير وإبراء الأسقام والإخبار بكثير من الغيوب ، وما ورد عليه من التوراة والإنجيل الذي أحدث اللّه إليه ، وقيل هي الإنجيل ، واسم عيسى بالسريانية أيشوع ، ومريم بالسريانية بمعنى الخادم ثم سمي به فلذلك لم ينصرف ، وفي لسان العرب هي المرأة التي تكره مخالطة الرجال ، قال أبو السعود وهو بالعبرية من النساء كالزير من الرجال ، ووزنه مفعل إذا لم يثبت فعيل ، ذكر السيوطي